ويمكن أن نفهم أيضا قول الحق: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} أن هناك بعضا من الكفار أشاعوا أن أبا سفيان وصحبه قد حشدوا حشودهم ، فكلمة"جمعوا"تعطي إيحاء بأنهم جاءوا بمقاتلين آخرين ، أو أن فلولهم قد تجمعت ، وسواء هذا أو ذاك فهم عندما فروا فروا فلولا ، لأن القوم المنهزمين لا يسيرون سيرا منتظما يجمعهم ، بل يسير كل واحد منهم حسب سرعته ، ويصح أن يتجمعوا ثانية ، أو جاءوا بناس آخرين ، ولنا أن نلحظ أن الأسلوب يحتمل كل ذلك.
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} ومثل هذا القول قد يفت فِي عضد المؤمنين ، لكن التمحيص الإيماني قد صقل معسكر الإيمان فلم يهتموا بهذا الكلام ، وهكذا أثمر الدرس الأول ، لقد تعلموا أن المخالفة عن أمر الله الممثل فِي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد المخالفة تجعل الضعف يسرى فِي النفس ، لكن التثبت والتمسك بأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعزز الإحساس بالقوة ؛ لذلك لم يأبهوا لهذا التهديد بل قالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} فلم يهتموا بالعدد وفهموا أن الإيمان يقتضي أن يقاتلوا الكافرين حتى يُعذبهم الله بأيديهم ، وفي هذا درس لكل مُحارب ، فعندما تحارب ، فأنت إما أن تكون منصورا بإيمانك بالله وإما أن تكون على عكس ذلك:
{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]