وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً مطاعاً لكنهم مستخفون فِي جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة ألبتة. وباقي الآية قد مر تفسيره فِي البقرة إلا أنه سبحانه قال فِي هذا الموضع من هذه السورة وفي النساء {الأنبياء بغير حق} لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر فِي الموضعين أعني فِي البقرة وفي أول السورة ما ينبئ عن القلة مع أن ذلك موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما. ثم تدرج إلى ما هو نص فِي الكثرة فِي الموضعين الآخرين نعياً علهيم وتفظيعاً لشأنهم، ولمثل هذا عرّف الحق فِي البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن تقتل النفس به وهو قوله: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام: 151] ثم نكر فِي المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالاً فِي نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم. {لسوا سواء} كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان. قال الفراء وابن الأنباري: تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً. قال أبو ذؤيب:
عاني إليها القلب إني لآمرها ... مطيع فما أدري أرشد طلابها؟