ثُمَّ أَرْشَدَ اللهُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَا إِنْ تَمَسَّكُوا بِهِ سَلِمُوا مِنْ كَيْدِهِمُ الَّذِي يَدْفَعُهُمْ إِلَيْهِ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ فَقَالَ: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ: وَإِنْ تَصْبِرُوا عَلَى عَدَاوَتِهِمْ وَتَتَّقُوا اتِّخَاذَهُمْ بِطَانَةً وَمُوَالَاتَهُمْ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ لَكُمْ هُمْ بِمَعْزِلٍ عَنْكُمْ . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ: وَإِنْ تَصْبِرُوا عَلَى مَشَاقِّ التَّكَالِيفِ وَامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ عَامَّةً وَتَتَّقُوا مَا نُهِيتُمْ عَنْهُ وَخَطَرٌ عَلَيْكُمْ - وَمِنْهُ اتِّخَاذُ الْبِطَانَةِ مِنْهُمْ - لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ . وَ يَضُرُّكُمْ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ الضَّرَرِ ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ"يَضِرْكُمْ"بِكَسْرِ الضَّادِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ مِنْ ضَارَهُ يَضِيرُهُ ، وَالضَّيْرُ بِمَعْنَى الْمَضَرَّةِ . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الصَّبْرَ يُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ فِي مَقَامِ مَا يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ ، وَحَبْسُ الْإِنْسَانِ سِرَّهُ عَنْ وَدِيدِهِ وَعَشِيرِهِ وَمُعَامِلِهِ وَقَرِيبِهِ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ مِنْ لَذَّاتِ النُّفُوسِ أَنْ تُفْضِيَ بِمَا فِي الضَّمِيرِ إِلَى مَنْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ وَتَأْنَسُ بِهِ ، فَلَمَّا نُهُوا عَنِ اتِّخَاذِ بِطَانَةٍ مِمَّنْ دُونَهُمْ مِنْ خُلَطَائِهِمْ وَعُشَرَائِهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ وَعَلَّلَ بِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ بَيَانِ بَغْضَائِهِمْ وَكَيْدِهِمْ حَسُنَ أَنْ يُذَكَّرُوا بِالصَّبْرِ عَلَى هَذَا لِتَكْلِيفِ الشَّاقِّ عَلَيْهِمْ ، وَبِاتِّقَاءِ مَا يَجِبُ اتِّقَاؤُهُ لِأَجْلِ السَّلَامَةِ