وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، وقتادة، والربيع، والسدّي، وابن زيد.
ومعنى الآية: أن إنفاقهم في الدنيا على عداوة الدين، أفسد عليهم أعمالَهم في الآخرة، كما أفسدت هذه الريحُ - التي فيها الصِّرُّ - الزرعَ الذي وقعت به.
وقال الزّجاج: أعلم الله - تعالى -: أن ضَرَرَ نفقتهم عليهم، كضَرَرِ هذه الريح على هذا الزرع.
وقال ابن عباس: الصِّرُّ: السَّمُومُ الحارَّةُ التي تقتل.
وإلى قريبٍ من هذا القول ذهب ابنُ كيسان، وابن الأنباري (فقالا) : الصِّرُّ: النار. وهو قول مجاهد - في رواية ابن أبي نَجِيح - .
قال ابن الأنباري: وإنما وُصِفت النارُ أنها صِرٌّ؛ لتَصْرِيَتِها عند الالتهاب.
قال الزجاج: وهذا غير ممتنع. وصوت لهيب النار يُسمَّى صِرًّا، ومن هذا: (صرير الباب) . ويقال:(صَرْصَرَ الأخطَبُ
صَرْصَرَةً). و (الصَّرَّةُ) : الصَّيْحة، ومنه قوله تعالى: {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ} [الذاريات: 29] . وقول ابن عباس على هذا يتوجه، فإن السموم الحارة لها صوت، ألا ترى إلى قول الراعي:
فَعُجْنَا على رَبْعٍ بِرَبْعٍ تَعُودُهُ ... مِنْ الصَّيفِ جَشَّاءُ الحَنِينِ نَؤُوجُ
فعلى هذا، قوله: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} أي: سَمُوم؛ كالنار أحرقت الزرع، أو نارٌ لها صوت.
وروى ابن الأنباري - بإسناده - عن السُّدِّيّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس، في قوله: {فِيهَا صِرٌّ} ، قال: فيها نار.
وقوله تعالى: {ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} قال ابن عباس: جحدوا نعمة الله عندهم. وقال آخرون: ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية.
{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ} لأنَّ كلَّ ما فعله بخلقه فهو منه عدلٌ، ومَن تَصَرَّف في حقيقة مُلْكِهِ، لا يُوصَفُ تصرفُهُ بأنه ظلم.
{وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} لأنَّ الإنسان - بالكفر والعصيان - هو الذي يَظلِمُ نفْسَه.