قال أهل المعاني: وفي هذا حسرة شديدة لهؤلاء المنفقين، ومصيبة عظيمة؛ لأنهم رجوا فائدة نفقاتهم، وعائدتها، فعادت عليهم بالمَضَرَّة، كما رجا أصحابُ الزرع عائدةَ زرعِهم، فضربته الريحُ وأهلكته.
118 -قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} الآية. قال المفسرون: نزلت في النهي عن مداخلة اليهود والمنافقين.
و (البِطَانَة) : قال أبو حاتم، عن الأصمعي: (بَطَن فلانٌ بفلان، يَبْطُنُ به بُطُونًا، وبِطَانَةً) : إذا كان خاصًّا به، داخلًا في أمره. فـ (البِطانة) مصدرٌ يُسَمَّى به الواحد والجمع.
قال الشاعر:
أولئك خُلْصاني نَعَمْ وبِطانَتِي ... وهُمْ عَيْبَتِي مِن دونِ كلِّ قَرِيبِ
وبِطَانة الرجل: خاصَّتُه الذين يَسْتَبْطنون أمْرَهُ. وأصله من: (البَطْنِ) خلاف الظهر، ومنه: (بِطانَة الثوب) ، خلاف (ظهارته) .
وقوله تعالى: {مِنْ دُونِكُمْ} أي: مِن دون المسلمين، ومِن غير أهل ملَّتكم، وظاهر هذا للمخاطَبِين، وهو يريد: جميع المسلمين. يعني لا تتخذوا بطانة مِن دون المسلمين.
وصلح أن يُعَبَرَ {مِنْ دُونِكُمْ} عن هذا. كما يقول الرجل: (قد قتلتمونا [وهزمتُمُونا] ؛ وهو يريد قتلتم إخواننا. وقد تقدم لهذا نظائر.
وقوله تعالى: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} يقال: (أَلَوْتُ في الشيء ،
أَلْوًا؛ أي: قَصَّرت.
قال امرؤ القيس:
وما المَرْءُ ما دامت حُشَاشَةُ نَفْسِهِ ... بِمُدْرِكِ أطرافِ الخُطُوبِ ولا آلِي
قال أبو الهيثم:
يقال: (أَلاَ، يَألُوا) : إذا فَتَرَ، وضعُف، وقَصَّر، ومثله: (أَلَّى، وائْتَلَى) ، وأنشد:
فما أَلَّى بَنِيَّ ولا أساؤوا
أي: ما قصَّروا.
قال امرؤ القيس:
أَلاَ رُبَّ خَصْمٍ فيكِ أَلْوَى رَدَدْتُهُ ... نَصِيحٍ على تَعْذالِهِ غيرِ مُؤْتَلِي
أي: غير مقصر.