ومعنى أن آتاه لله أي لأن أتاه الله الملك فأبطره وأورثه الكبر والعتو أو جعل محاجته فِي ربه شكراً له كقولك"عاداني فلان لأني أحسنت إليه"تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان ، ويجوز أن يكون المعنى: حاج وقت أن آتاه . وعن مقاتل أن هذه المحاجة كانت حين ما كسر إبراهيم الأصنام وسجنه نمرود ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال: من ربك الذي تدعو إليه؟ فقال: ربي الذي يحيي ويميت . وهذا دليل فِي غاية الصحة لأن الخلق عاجزون عن الإحياء والإماتة فلا بد أن يستند إلى مؤثر قادر مختار خبير بأجزاء الحيوان وأشكاله ، بصير بأعضائه وأحواله ، ولأمر ما ذكره الله تعالى فِي مواضع من كتابه فقال {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] {وهو الذي خلقكم من تراب} [غافر: 67] {ألم نخلقكم من ماء مهين} [المرسلات: 20] ويروى أن الكافر دعا حينئذٍ شخصين فاستبقى أحدهما وقتل الآخر وقال: أنا أيضاً أحيي وأميت . ثم للناس فِي هذا المقام طريقان: الأول وعليه أكثر المفسرين أن إبراهيم عليه السلام لما رأى من نمرود أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر ومثال آخر أوضح من الأول فقال {إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} قالوا: وفي هذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة . وأورد عليه أن الشبهة إذا وقعت فِي الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب أن يذكر الجواب فِي الحال إزالة لذلك الجهل واللبس . ولما طعن الملك الكافر فِي الدليل الأول أو فِي المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة ذلك واجباً مضيقاً فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب مع أن فيه إيهام أن كلامه الأول كان ضعيفاً؟ ولئن سلمنا أن الانتقال من دليل إلى دليل حسن لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح . لكن الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس ، فإن جنس الحياة