وقال أيضًا:"إن الله خلق الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين، وعرشه"
على الماء"وذكر فيه أخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل النار بيده الأخرى،"
وذكر التقدير كما تقدم.
وفي أخرى:"إنه لما خلق آدم مسح بيده اليمنى على ظهره واستخرج منه"
ذرية، وقال: ألست بربكم؟..."بمعنى ما تقدم."
قال الله عز من قائل:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا).
ولما فرغ من تقريرهم أماتهم، ثم بثهم في خزائن السماوات والأرض حتى
أخرج كلاً على نوبته وحينه في الوجود، ولما خلقهم هذه الخلقة التي عمروا بها
الدنيا في أعمارهم إلى آجالهم المكتوبة وأرزاقهم المحتومة فكانت تلك موتة أولى
المعينة بقوله تعالى: (أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) هذه الحياة التي هي
الدنيا، فإذا هو أماتهم الموتة الثانية التي هي الآتية بعد هذه الحياة قبض الأنفس،
والنفس هي الجامعة للطوائر الأربعة المذكورة، وأجلها ذلك العبد المقرر الذي قد
مات أولاً فعمر فيه مدة حال البرزخ، ومن العجب المعجب أنه ليس يغير هذا بوجه
ما هو الذي أقر وأشهد فيما هنالك على نفسه.
يقول الله جل من قائل:(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا
بِرَبِّكُمْ)يعني: الآن (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) يعني: يوم التقرير الأول(إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ)بما أنبأتكم به.
فهو - عز وجل - يخاطب هؤلاء بما خاطبهم به يومئذٍ، ويطالبهم بذلك الإقرار، وهو
الحق هو هو، غير أنه قد تعدى بقرار الجسم وعمل بعمله وعاش برزقه وفي أجله،
وهو العبد المقرر أولاً، فرد بما هو يومئذٍ روح بما هو الآن قد تغذى وعمل وارتزق.
لذلك يقول الله: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) التي لم تستعص ولا
خترت العهد وأدت الأمانة (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) أي: بما
كلفتِ من إيمان وعمل به، مرضية من ربها الأجل ذلك (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)