قال بعض العلماء: واعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة، وإلى المنعم أخرى.
فإن عديت إلى النعمة، تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر، كقوله - تعالى -: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ....
وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذي هو اللام، كقوله - تعالى -:
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ .. .
وقال - سبحانه - هنا: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً وقال في الآيات السابقة: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً ... بلام التأكيد، لأن إنزال الماء من السماء وتحويله من ماء عذب إلى ماء ملح، مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه سوى الله - تعالى - لذا لم يحتج الأمر إلى تأكيد ..
أما جفاف الزرع بعد نضارته، حتى يعود حطاما، فمما يحتمل أنه من فعل الزارع، أو لأى سبب آخر، كآفة زراعية، لذا أكد - سبحانه - أنه هو الفاعل لذلك على الحقيقة، وأنه - تعالى - قادر على تحطيمه بعد نموه وريعانه.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الدليل الرابع على قدرته - تعالى - على البعث والنشور، فقال - تعالى -: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ. نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ.
وقوله: تُورُونَ أي: توقدون، من أورى النار إذا قدحها وأوقدها. ويقال: ورى الزند يرى وريا، إذا خرجت ناره - وفعله من باب وعى - وأوراه غيره إذا استخرج النار منه.
وقوله: لِلْمُقْوِينَ مأخوذ من أقوى الرجل إذا دخل في القواء، وهو الفضاء الخالي من العمران، والمراد بهم هنا المسافرون، لأنهم في معظم الأحيان يسلكون في سفرهم الصحارى والفضاء من الأرض.
وخصهم - سبحانه - بالذكر، لأنهم أكثر من غيرهم انتفاعا بالنار، وأحوج من غيرهم إليها.
والمراد بشجرة النار: المرخ والعفار، وهما شجرتان، يقدح غصن إحداهما بغصن الأخرى فتتولد النار منهما بقدرة الله - تعالى - ...