وهذا كمن سمى قشور البصل لحما، وأكلها، فيقال له: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه.
وكمن سمى التراب خبزا، وأكله. يقال: ما أكلت إلّا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في نفي الإلهية آلهتهم.
فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه. وما الحكمة ثمّ إلّا مجرد الاسم.
فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى.
فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} ولم تدخل في قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ؟
قيل: التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد، دون معنى آخر. ويراد به مع ذلك الصلاة. وهو ذكر وتنزيه مع عمل.
ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا.
فإذا أريد التسبيح المجرد، فلا معنى للباء. لأنه لا يتعدى بحرف جر، لا تقول: سبحت بالله.
وإذا أردت المقرون بالفعل، وهو الصلاة، أدخلت الباء، تنبها على ذلك المراد، كأنك قلت: سبح مفتتحا باسم ربك، أو ناطقا باسم ربك. كما تقول: صلّ مفتتحا، أو ناطقا باسمه،
ولهذا السر - والله أعلم - دخلت اللام في قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ}
والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة، ولم يقل في موضع: سبح الله ما في السماوات والأرض، كما قال تعالى {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} .
وتأمل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ}
فكيف قال: «ويسبحونه» لما ذكر السجود باسمه الخاص، فصار التسبيح: ذكرهم له، وتنزيههم إياه. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...