سَلَامُ الْإِلَهِ وَرَيْحَانُهُ ... وَجَنَّتُهُ وَسَمَاءٌ دِرَرْ
وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْعَصْفُ: الْمَأْكُولُ مِنَ الْحَبِّ، وَالرَّيْحَانُ: الصَّحِيحُ الَّذِي لَمْ يُؤْكَلْ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَالرَّيْحَانُ} فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا بِهِ عَلَى الْحَبِّ،
بِمَعْنَى: وَفِيهَا الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ، وَفِيهَا الرَّيْحَانُ أَيْضًا وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ (وَالرَّيْحَانِ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا بِهِ عَلَى الْعَصْفِ، بِمَعْنَى: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَذُو الرَّيْحَانِ
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِالْخَفْضِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنْتُ فِي تَأْوِيلِهِ، وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الرِّزْقِ وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَأُوهُ رَفْعًا، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ فِيمَا أَرَى إِلَى أَنَّهُ الرَّيْحَانُ الَّذِي يُشَمُّ، فَلِذَلِكَ اخْتَارُوا الرَّفْعَ فِيهِ وَكَوْنَهُ خَفْضًا بِمَعْنَى: وَفِيهَا الْحَبُّ ذُو الْوَرَقِ وَالتِّبْنِ، وَذُو الرِّزْقِ الْمَطْعُومِ أَوْلَى وَأَحْسَنُ لِمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْلُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} : فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ تُكَذِّبَانِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قَالَ: «لَا بِأَيَّتِهَا يَا رَبُّ»
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، أَوْ قُرِئَتْ عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا لِي أَسْمَعُ الْجِنَّ أَحْسَنَ جَوَابًا لِرَبِّهَا مِنْكُمْ؟» قَالُوا: مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:"مَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ؟ إِلَّا قَالَتِ الْجِنُّ: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعْمَةِ رَبِّنَا نُكَذِّبُ"
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"الْآلَاءُ: الْقُدْرَةُ، فَبِأَيِّ آلَائِهِ تُكَذِّبُ، خَلَقَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَبِأَيِّ قُدْرَةِ اللَّهِ تُكَذِّبَانِ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ، الْجِنُّ وَالْإِنْسُ"