وقد كثر الاختلاف حول القدر، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمان يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين، ودسّ الشبهات حوله، ومن ثم أصبح لا يثبت على الإيمان الصحيح واليقين القاطع إلاّ من عرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، مسلِّماً الأمر لله، مطمئنَّ النفس، واثقاً بربه تعالى، فلا تجد الشكوك والشبهات إلى نفسه سبيلاً، وهذا ولا شك أكبر دليل على أهمية الإيمان به بين بقيّة الأركان.
ب - الإيمان بالقدر في الأديان السماوية:
لم يختصّ المسلمون أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بالإيمان بالقدر، بل كان الإيمان به قديماً في الأديان السماوية، وهذه بعض صوره كما ورد في القرآن الكريم.
1 -في قصة نوح عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى: {قَالُواْ يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود:32 - 34] .
فقوله: {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَاء} أي: إن اقتضت مشيئته وحكمته أن ينزله بكم فعل ذلك، وأنا ليس بيدي من الأمر شيء. وقوله: {إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} : أي: إرادة الله غالبة، فإنه إذا أراد أن يغويكم لردكم الحق، فلو حرصتُ غاية مجهودي، ونصحت لكم أتمَّ النصح، وهو قد فعل عليه السلام، فليس ذلك بنافع لكم شيئاً، {هُوَ رَبُّكُمْ} يفعل بكم ما يشاء، ويحكم فيكم بما يريد.