قال أبو المظفّر السمعاني:"سبيل المعرفة في هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضلّ وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء العين ولا ما يطمئن به القلب، لأن القدر سرٌ من أسرار الله تعالى اختصّ العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرّب".
وقال الطحاوي:"وأصل القدر سرّ الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمّق في ذلك ذريعة الخذلان وسُلَّم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [الأنبياء:23] ".
ويقول الإمام أحمد:"من السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها. لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق والإيمان بها. ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُفي ذلك وأحكم له. فعليه بالإيمان به والتسليم له، مثل حديث الصادق المصدوق، وما كان مثله في القدر".
وهذا الذي قرّره أهل العلم في القدر يضع لنا عدة قواعد في غاية الأهمية:
الأولى: وجوب الإيمان بالقدر.
الثانية: الاعتماد في معرفة القدر وحدوده وأبعاده على الكتاب والسنة، وترك الاعتماد في ذلك على نظر العقول ومحض القياس؛ فالعقل الإنساني لا يستطيع بنفسه أن يضع المعالم والركائز التي تنقذه في هذا الباب من الانحراف والضلال، والذين خاضوا في هذه المسألة بعقولهم ضلوا وتاهوا، فمنهم من كذّب بالقدر، ومنهم من ظن أن الإيمان بالقدر يستلزم القول بالجبر، ومنهم من ناقض الشرع بالقدر، وكل انحراف من هذه الانحرافات سبَّب مشكلات في واقع البشر وحياتهم ومجتمعاتهم، فالانحراف العقائدي يسبب انحرافاً في السلوك وواقع الحياة.
الثالثة: ترك التعمّق في البحث في القدر، فبعض جوانبه لا يمكن للعقل الإنساني مهما كان نبوغه أن يستوعبها، وبعضها الآخر لا يستوعبها إلاّ بصعوبة كبيرة.