يقول البيضاوي في (أنوار التنزيل) : (يخرجون من الأجداث) أي يخرجون من قبورهم خاشعة ذليلة أبصارهم من الهول (كأنهم جراد منتشر) في الكثرة والتموج والانتشار في الأمكنة (مهطعين إلى الداع) مسرعين مادي أعناقهم إليه ناظرين إليه.
ويقول النيسابوري (غرائب القرآن) : خشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة أو يسره، والأجداث: القبور، شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان. وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه، فكأنهم جراد يتحرك من الأرض ويدب، فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم. ونحو هذا الكلام قاله الفخر الرازي أيضاً في (مفاتيح الغيب) .
أما الجلالين (المحلى والسيوطي) فيقولان: (كأنهم جراد منتشر) أي لا يدرون أين يذهبون من الخوف والحيرة. ولكن صاحب (الأساس في التفسير) قد شغل (في تفسير سورة القمر) بآيتين اثنتين هما (اقتربت الساعة وانشق القمر) ، (إنّا كل شيء خلقناه بقدر) ، مما جعله يغفل تفصيل القول في آيات آُخر بالسورة، ومنها ما نحن بصدده من تصوير هيئة بعث الناس يوم القيامة. وأما في (جامع البيان) وفي (الظلال) وفي (روح المعاني) وعند النسفي وابن كثير وفي (المنتخب) وعند القرطبي، فلم نجد أكثر مما أوردناه تقريباً.
دقة التمثيل وجمال التشبيه:
يقول علماء البيان العربي إن"التمثيل"هو القالب الذي يبرز المعاني في صورة حية تستقر في الأذهان، بتشبيه الغائب بالحاضر، والمعقول بالمحسوس، وقياس النظير على النظير، وكم من معنّى جميل أكسبه التمثيل روعة وجمالاً، فكان ذلك أدعى لتقبل النفس له، واقتناع العقل به، وهو من أساليب القرآن الكريم، في ضرب بيانه ونواحي إعجازه.. وسوف يتضح هذا جلياً بعدما نشرح هيئة انتشار الجراد في أسرابه محلقاً في جو السماء، ومتجهاً نحو هدف معين وقاصداً جهة محددة.
نبذة عن الجراد