وَأُقِيمَ مَقَامًا غَبَطَهُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ. فَإِذَا كَانَ فِي الْمَعَادِ أُقِيمَ مَقَامًا مِنَ الْقُرْبِ ثَانِيًا، يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ. وَاسْتَقَامَ هُنَاكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ مِنْ كَمَالِ أَدَبِهِ مَعَ اللَّهِ، مَا زَاغَ الْبَصَرُ عَنْهُ وَمَا طَغَى. فَأَقَامَهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ عَلَى أَقْوَمَ صِرَاطٍ مِنَ الْحَقِّ وَالْهُدَى. وَأَقْسَمَ بِكَلَامِهِ عَلَى ذَلِكَ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، فَقَالَ تَعَالَى: {يس - وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ - إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ - عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يس: 1 - 4]
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْمَعَادِ أَقَامَهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَسْأَلُهُ السَّلَامَةَ لِأَتْبَاعِهِ وَأَهْلِ سُنَّتِهِ، حَتَّى يَجُوزُوهُ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
[فَصْلُ: مَنْزِلَةِ الْهِمَّةِ]
وَمِنْ مَنَازِلِ" {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} مَنْزِلَةُ الْهِمَّةِ"
وَقَدْ صَدَّرَهَا صَاحِبُ الْمَنَازِلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}
وَقَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّهُ صَدَّرَ بِهَا بَابَ الْأَدَبِ، وَذَكَرْنَا وَجْهَهُ.
وَأَمَّا وَجْهُ تَصْدِيرِ"الْهِمَّةِ"بِهَا: فَهُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ هِمَّتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا تَعَلَّقَتْ بِسِوَى مَشْهُودِهِ، وَمَا أُقِيمَ فِيهِ. وَلَوْ تَجَاوَزَتْهُ هِمَّتُهُ لِتَبِعَهَا بَصَرُهُ.
وَالْهِمَّةُ فِعْلَةٌ مِنَ الْهَمِّ. وَهُوَ مَبْدَأُ الْإِرَادَةِ. وَلَكِنْ خَصُّوهَا بِنِهَايَةِ الْإِرَادَةِ.
فَالْهَمُّ مَبْدَؤُهَا. وَالْهِمَّةُ نِهَايَتُهَا.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: فِي بَعْضِ الْآثَارِ الْإِلَهِيَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنِّي لَا أَنْظُرُ إِلَى كَلَامِ الْحَكِيمِ. وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى هِمَّتِهِ» .
قَالَ: وَالْعَامَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ. وَالْخَاصَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يَطْلُبُ.
يُرِيدُ: أَنَّ قِيمَةَ الْمَرْءِ هِمَّتُهُ وَمَطْلَبُهُ.
قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: