وَلِأَجْلِ هَذَا مَا عَاقَهُ عَائِقٌ. وَلَا وَقْفَ بِهِ مُرَادٌ، حَتَّى جَاوَزَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ حَتَّى عَاتَبَ مُوسَى رَبَّهُ فِيهِ. وَقَالَ: يَقُولُ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنِّي كَرِيمُ الْخُلُقِ عَلَى اللَّهِ. وَهَذَا قَدْ جَاوَزَنِي وَخَلَّفَنِي عُلُوًّا. فَلَوْ أَنَّهُ وَحْدَهُ؟ وَلَكِنْ مَعَهُ كُلُّ أُمَّتِهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى. قِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي أَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي» . ثُمَّ جَاوَزَهُ عُلُوًّا فَلَمْ تَعُقْهُ إِرَادَةٌ. وَلَمْ تَقِفْ بِهِ دُونَ كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ هِمَّةٌ.
وَلِهَذَا كَانَ مَرْكُوبُهُ فِي مَسْرَاهُ يَسْبِقُ خَطْوَهُ الطَّرْفَ. فَيَضَعُ قَدَمَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، مُشَاكِلًا لِحَالِ رَاكِبِهِ، وَبُعْدِ شَأْوِهِ، الَّذِي سَبَقَ الْعَالَمَ أَجْمَعَ فِي سَيْرِهِ، فَكَانَ قَدَمُ الْبُرَاقِ لَا يَخْتَلِفُ عَنْ مَوْضِعِ نَظَرِهِ.
كَمَا كَانَ قَدَمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ مَحَلِّ مَعْرِفَتِهِ.
فَلَمْ يَزَلْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَفَارَةِ كَمَالِ أَدَبِهِ مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَتَكْمِيلِ مَرَاتِبِ عُبُودِيَّتِهِ لَهُ، حَتَّى خَرَقَ حُجُبَ السَّمَاوَاتِ، وَجَاوَزَ السَّبْعَ الطِّبَاقَ. وَجَاوَزَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى. وَوَصَلَ إِلَى مَحَلٍّ مِنَ الْقُرْبِ سَبَقَ بِهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ.
فَانْصَبَّتْ إِلَيْهِ هُنَاكَ أَقْسَامُ الْقُرْبِ انْصِبَابًا. وَانْقَشَعَتْ عَنْهُ سَحَائِبُ الْحُجُبِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حِجَابًا حِجَابًا.