والصحيح: أنه اسم من أسماء الجنة، كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى}
وقال في النار: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى} وقال: {وَمَأْواكُمُ النَّارُ} .
(فصل)
وقوله تعالى {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}
قال ابن عباس ما زاغ البصر يميناً ولا شمالاً ولا جاوز ما أمر به وعلى هذا المفسرون فنفى عن نبيه ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من التفاتة يميناً وشمالاً ومجاوزة بصره لما بين يديه
وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام وفي تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانباً ولم يمد بصره إلى غير ما أرى من الآيات وما هناك من العجائب بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه وإطراقه وإقباله على ما أرى دون التفاته إلى غيره ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات الجأش وسكون القلب وطمأنينته وهذا غاية الكمال وزيغ البصر التفاته جانباً وطغيانه مده أمامه إلى حيث ينتهي فنزه في هذه السورة علمه عن الضلال وقصده وعمله عن الغي ونطقه عن الهوى وفؤاده عن تكذيب بصره وبصره عن الزيغ والطغيان وهكذا يكون المدح:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعادا بعد أبوالا
(فائدة)
وفي حديث ابن مسعود في قوله عز وجل {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}
قال رأى رفرفا أخضر سد الأفق.
وهو في الصحيحين.
(فصل)
ومن علامات المحبة إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه ورميه بطرفه نحو الأرض وذلك من مهابته له وحيائه منه وعظمته في صدره ولهذا يستهجن الملوك من يخاطبهم وهو يحد النظر إليهم بل يكون خافض الطرف إلى الأرض قال الله تعالى مخبرا عن كمال أدب رسوله في ليلة الإسراء {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}
وهذا غاية الأدب فإن البصر لم يزغ يمينا ولا شمالا ولا طمح متجاوزا إلى ما هو رائيه ومقبل عليه كالمتشارف إلى ما وراء ذلك.
ولهذا اشتد نهي النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي أن يزيغ بصره إلى السماء، وتوعدهم على ذلك بخطف أبصارهم إذ هذا من كمال الأدب مع مَن المصلي واقفٌ بين يديه، بل ينبغي له أن يقف ناكس الرأس مطرقا إلى الأرض، ولولا أن عظمة رب العالمين سبحانه فوق سماواته على عرشه لم يكن فرق بين النظر إلى فوق أو إلى أسفل.
[فَصْلٌ: وَصْفٌ لِأَدَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]