قلت: وإنما جازت رواية الحديث بمعناها؛ لأنه غير متعبد بألفاظه، وإنما بمعناه شرعًا؛ ولجواز شرح الشريعة للأعاجم، وترجمتها لهم، وإن كان الأصل روايته باللفظ، إذ هو عبارة أفصح الخلق الذي أوتي جوامع الكلم، فإن فات الراوي اللفظ، وأصاب المعنى؛ جاز؛ أداءً للحكم الشرعي، ونصحًا للأمة.
وهذا إنما جاز في عصر الرواية قبل تدوين الكتب والمصنفات، وأما بعد تدوينها؛ فلا يجوز إلا على سبيل الوعظ والتذكير، فأما إيراده على سبيل الاحتجاج والرواية في المؤلفات؛ فلا يجوز إلا باللفظ، كما مر في كلام ابن الملقن وغيره من أهل العلم.
فيشترط أن يكون مشتغلًا بالعلم، ناقدًا لوجوه تصرف الألفاظ، والعلم بمعانيها ومقاصدها جامعًا لمواد المعرفة بذلك.
ويدل على ذلك: حديث البراء بن عازب في تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- له دعاء النوم.
الوجه الخامس: الرواية بالمعنى على أنواع.
والرواية بالمعنى لها صور مختلفة نذكرها -وإن كانت قليلة نادرة- وهذه الصور هي:
1 -إبدال لفظ من ألفاظ الحديث بغيره، يؤدي المعنى التام.
2 -تقديم بعض ألفاظ الحديث على بعض.
3 -تغيير صورة المتن بالكلية، ويعبر عنه الراوي بلفظ من عنده.
4 -اختصار الحديث، فيذكر الراوي بعض اللفظ دون بعضه.
قلت: وهذه الصور الأربعة خارجة عن الأصل، وهو رواية الحديث بلفظه الذي جاء به، والصورة الثالثة منه قليلة الوقوع، وغالبًا ما تقع في حديث فعلي للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيعبر عنه الصحابي بلفظه كقوله: (لأنا أشبهكم صلاة برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو بوضوئه، أو نحو ذلك، أو كإخباره في الأحاديث القولية بحكم شرعي يفيد التحريم أو الإيجاب، بنحو قوله: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا. يريد بذلك حكاية حكما، ونحو ذلك.
وهذه الصورة هي أقل صور الرواية بالمعنى وقوعًا، وأما الصورة الرابعة، وهي اختصار الحديث فهي:
أن يعمد الراوي إلى متن الحديث، فيروي بعضه دون بعض.
وأسباب اختصار الحديث مختلفة فمنها:
1 -أن يذكر الراوي جزءًا من الحديث على جهة الاستدلال على حكم معين في مسألة، فيقتصر عليه وحده.