قال ابن القيم: ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها، كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها، فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر، بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر؟! وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة؛ فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات، ولا سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه دينا، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين؟!.
الوجه الخامس عشر:
قال ابن القيم: إن كون الدليل من الأمور الظنية، أو القطعية أمر نسبي، يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس هو صفة للدليل في نفسه، فهذا أمر لا ينازع فيه عاقل - فقد يكون قطعيًا عند زيد ما هو ظني عند عمرو - فقولهم: إن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة المتلقاة بين الأمة لا تفيد العلم، بل هي ظنية: هو إخبار عما عندهم؛ إذ لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم، فقولهم: لم يستفد بها العلم لم يلزم منها النفي العام، وذلك بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء والعالم به غير واجد له ولا عالم به، فهو كمن يجد من نفسه وجعا أو لذة أو حبا أو بغضا، فينتصب له من يستدل على أنه غير وجيع ولا متألم ولا محب ولا مبغض، ويكثر من الشبه التي غايتها أني لم أجد ما وجدته، ولو كان حقا لاشتركنا أنا وأنت فيه! وهذا عين الباطل، وما أحسن ما قيل:
أقول للائم المهتدي ملامته ... ذق الهوى فإن استطعت الملام لم
فيقال له: اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واحرص عليه وتتبعه واجمعه، وعليك بمعرفة أصول نقلته وسيرتهم، وأعرض عما سواه، واجعله غاية طلبك، ونهاية قصدك.