وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «رَأَى جَبْرَائِيلَ سِتُّ مِئَةِ جَنَاحٍ فِي صُورَتِهِ»
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا قَوْلُهُ: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} فَقَالَتْ: «إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي دَنَا فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى: جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ الَّذِي كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى: مُحَمَّدٌ مِنْ رَبِّهِ
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ بَعْضِ، أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قُلْنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «لَمْ أَرَهُ بِعَيْنَيَّ، وَرَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ» ، ثُمَّ تَلَا {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى}
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا عُرِجَ بِي، مَضَى جِبْرِيلُ حَتَّى جَاءَ الْجَنَّةَ» قَالَ: «فَدَخَلْتُ فَأُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى جَاءَ السِّدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَدَنَا رَبُّكَ فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى»
وَقَوْلُهُ: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ وَحْيَهُ، وَجَعَلُوا قَوْلَهُ: {مَا أَوْحَى} بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ.
وَقَدْ يَتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ «مَا» لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى «الَّذِي» فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْهِ رَبُّهُ.
وَالْآخَرُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «أَوْحَى جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ» .