من تفكر فِي تفريطه أَن وَمن تذكر أَيَّام وَصله حن من سمع صَوت الْحمام ظَنّه لحسن الصَّوْت كلا بل لذكر مَا مر من الْعَيْش إِذا نظر الْأَسير إِلَى نَفسه فِي ضيق الْقد وَلم يقدر على ضك الْقَيْد قطع حزنه حيازيم الْقلب فنفسه بالأسف فِي آخر نفس
(تهيم إِذا ريح الصِّبَا نسمت لَهَا ... وتبكي إِذا الورقاء فِي الْغُصْن غنت)
(إِذا جذب الصُّبْح اللثام تأوهت ... وَإِن نشر اللَّيْل الْجنَاح أرنت)
كَانَ دَاوُد يُؤْتى بِالْإِنَاءِ نَاقِصا فَلَا يشربه حَتَّى يتمه بالدموع
(يَا ساقي الْقَوْم إِن دارت عَليّ فَلَا ... تمزج فَإِنِّي بدمعي مازج كأسي)
كَانَ فِي خد عمر بن الْخطاب خطان أسودان من الْبكاء وَكَانَ فِي وَجه ابْن عَبَّاس كالشراكين الباليين من الدمع
للمهيار
(أَلا من لعين من بكاها على الْحمى ... تَجف ضروع المزن وَهِي حَلُوب)
(بَكت وغدير الْحَيّ طام وأصبحت ... عَلَيْهِ العطاش الحائمات تلوب)
(وَمَا كنت أَدْرِي أَن عينا ركية ... وَلَا أَن مَاء الماقيين شروب)
كَانَ الْحسن يبكي حَتَّى يرحم وَكَانَ الفضيل بن عِيَاض يبكي فِي النّوم حَتَّى ينتبه أهل الدَّار ببكائه وَكَانَ عَطاء يبكي فِي غرفَة لَهُ حَتَّى تجْرِي دُمُوعه فِي الْمِيزَاب فقطرت يَوْمًا إِلَى الطَّرِيق على بعض المارين فصاح يَا أهل الدَّار اماؤكم طَاهِر فصاح عَطاء إغسله فَإِنَّهُ دمع من عصى الله
(وَمن لبه مَعَ غَيره كَيفَ حَاله ... وَمن سره فِي جفْنه كَيفَ يكتم)
وَقَالُوا لعطاء السّلمِيّ مَا تشْتَهي فَقَالَ أشتهي أَن أبْكِي حَتَّى لَا أقدر أَن أبْكِي
(وَإِن شفائي عِبْرَة مهراقة ... فَهَل عِنْد رسم دارس من معول)
كَانَ أَشْعَث الْحدانِي وحبِيب العجمي يتزاوران فيبكيان طول النَّهَار وَكَانَ حزَام وَسُهيْل وَعبد الْوَاحِد كل وَاحِد فِي بَيت يتجاوبون بالبكاء
للخفاجي
(ركب هوى تجاذبوا حَدِيثه ... فاترعوا من الغرام اكؤسا)
(واسبلوا من الجفون أدمعا ... ظننتها ماءا وَكَانَت أنفسا)
(لقد سَمِعت فِي الرّحال أنة ... أظنها نشطة وجد حبسا)
الْبكاء مُوكل بعيون الْخَائِفِينَ كلما هَمت بِفَتْح طرف لتنظر إِلَى طرف من طرف الدُّنْيَا طرفته دمعة قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام عينان لَا تمسهما النَّار عين بَكت من خشيَة الله وَعين باتت تحرس فِي سَبِيل الله