فَلَمَّا بَلَغَ وَرَأَتْ مَا يَلْقَى مِنَ الْبُكَاءِ وَالسَّهَرِ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ لَعَلَّكَ قَتَلْتَ قَتِيلا! فَقَالَ: نَعَمْ يَا أُمَّاهُ. فَقَالَتْ: وَمَنْ هَذَا الْقَتِيلُ, فَلَوْ عَلِمَ أَهْلُهُ مَا تَلْقَى مِنَ الْبُكَاءِ وَالسَّهَرِ لَرَحِمُوكَ. فَقَالَ: هِيَ نَفْسِي!
وَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ: يَا أَبَتِ أَلا تَنَامُ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ إِنَّ جَهَنَّمَ لا تَدَعُنِي أَنَامُ!
أَيُّهَا الْغَافِلُ زَاحِمْ أَهْلَ الْعَزْمِ وَبَادِرْ, فَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَخَافُ وَتُحَاذِرُ, فَيُخْتَمُ الْكِتَابُ عَلَى الرَّذَائِلِ, وَيَفُوتُ تَحْصِيلُ الْفَضَائِلِ فالدنيا منزل قلعة كأنها يَوْمٌ أَوْ جُمُعَةٌ.
(كُلُّ حَيٍّ إِلَى فَنَاءٍ وَمَا الدَّارُ ... بِدَارٍ وَلا الْمَقَامُ مَقَامُ)
(يَسْتَوِي سَاعَةَ الْمَنِيَّةِ فِي الرُّتْبَةِ ... وَجْدُ [[الْغَنِيِّ وَالإِعْدَامُ] ])
(وَالَّذِي زَالَ وَانْقَضَى مِنْ نَعِيمٍ ... أَوْ شَقَاءٍ كأنه أحلام)
السجع على قوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} لَقَدْ وَعَظَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ, يُبْدِي التِّذْكَارَ عَلَيْكُمْ ويُعيد, غَيْرَ أَنَّ الْفَهْمَ مِنْكُمْ بَعِيدٌ, وَمَعَ هَذَا فقد سبق العذابَ التهديدُ, {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} .
إِنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا يُلَيِّنُ الْجَلامِيدَ, لَوْ فَهِمَهُ الصَّخْرُ كَانَ الصَّخْرَ يَمِيدُ, كَمْ أَخْبَرَكَ بإهلاك الملوك الصِّيد, وأعلمك أن الموت بالباب والوصيد {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} .
إِنَّ مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ تُذِيبُ الْحَدِيدَ, وَلِلْفُهُومِ كُلَّ لَحْظَةٍ زَجْرٌ جَدِيدٌ, وَلِلْقُلُوبِ النَّيِّرَةِ كُلَّ يَوْمٍ بِهِ عِيدٌ, غَيْرَ أَنَّ الْغَافِلَ يَتْلُوهُ وَلا يستفيد {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} .
أَمَا الْمَوْتُ لِلْخَلائِقِ مُبِيدٌ, أَمَا تَرَاهُ قَدْ مَزَّقَهُمْ فِي الْبِيدِ, أَمَا دَاسَهُمْ بِالْهَلاكِ دَوْسَ الْحَصِيدِ, لا بِالْبَسِيطِ يَنْتَهُونَ وَلا بِالتَّشْدِيدِ, أَيْنَ مَنْ كَانَ لا يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ, أَيْنَ مَنْ أَبْصَرَ الْعِبَرَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِعَيْنَيْهِ, أَيْنَ مَنْ بَارَزَ بِالذُّنُوبِ الْمُطَّلِعَ عَلَيْهِ {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} .