كيف يأسن ذلك الماء وهو من خالص رحمة الله وفي قرارة رضوانه؟.
الآسن: الآجن المتغير، يقال: أسن الماء وتأسن هو، بل كيف لا يصفى عسلها
ولم يسلك به مسالك ما هاهنا ولا اختلط بشمع ولا بأبعاض موتى النحل ولا
بمرضوخ فراخها؟ وقد سلك مسالك الرحمة في وجود الكون واستقر في قرارة
الرضوان، كذلك اللبن والخمر هذا مع ما لهم فيها من مغفرة الله ومضمون رضوانه
الأكبر كل ذلك أنها جارية حالها المسك الأذفر، وحصباؤها الياقوت والجوهر،
تجري في غير أخاديد، تنبت سواحلها الحور العين بين قصب الزبرجد والعقيق،
طوبى لهم وحسن مآب، هذا مع ما لهم فيها من كل الثمرات (لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا
مَمْنُوعَةٍ (33) .
نظم بهذا قوله: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ(15) .
يقول - جل من قائل: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) فكان مصيره إلى الجنة
التي فيها أنهار من ماء غير آسن إلى آخر الوصف (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) ،
واتبع هواه فكان مصيره إلى نار جهنم خَالِدا فيها أبدًا يسقى ماء حميمًا
فيقطع أمعاءه، كما قال: (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ(19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ
وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا).
نظم بذلك عمى بصائرهم ووقر أسماعهم وبعدهم عن فهم سماع الوحي
بقوله الحق: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) وهم المنافقون(حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ
عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا)يريدون قبل افتراقنا وخروجنا عنه،
يقول الله - جل من قائل: (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ(16) .
ثم وصف خروج المؤمنين عن مجلس الذكر والقرآن بقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا
زَادَهُمْ هُدًى ... (17) . أي: زادهم إيمانًا (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) التقوى: عمل
الإيمان كما أعمال الجوارح عمل الإسلام.