ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) فيه دلالة نقض قول المعتزلة، لأنهم يقولون: إن الصغائر مغفورة، لا يجوز لله - تعالى - أن يعذب عباده عليها، والكبائر مما لا يحل له أن يغفرها لهم إلا بالاستغفار منهم والتوبة؛ فهذه الآية تنقض قولهم ومذهبهم؛ لأنه أمر رسوله أن يستغفر لهم، فلا يخلو إما أن تكون صغائر، وهي مغفورة عندهم؛ فكأنه يقول: اللهم لا تجر؛ لأنها مغفورة لا يسع له أن يعذب عليها، أو كبائر ولا يحل له المغفرة عنها، فيكون قوله: اللهم اغفر لهم، كأنه قال: اللهم جر؛ لأن مغفرته إياهم الكبائر يكون جورًا ووضع الشيء في غير موضعه.
فكيفما كان ففيها نقض قولهم وحجة لقولنا: إن له أن يعذبهم عليها وإن كانت صغائر، وله أن يعفو عنها وإن كانت كبائر؛ إذ المغفرة عن الذنب تكون، واللَّه الموفق للصواب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) في النهار (وَمَثْوَاكُمْ) من الليل.
وقيل: يعلم ما ينقلبون بالنهار ويسكنون بالليل؛ وهما واحد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) في الدنيا (وَمَثْوَاكُمْ) في الآخرة؛ أي: مقامكم فيها.
وهو يخرج عندنا على وجوه: