قوله تعالى: {نُنَكِّسْهُ فِي الخلق} أي نقلبه فيه ، فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل ، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده ، وخلو من عقل وعلم ، ثم جلعناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال ، ويرتقي من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ أشُدَّه ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه ، فإذا انتهى نكَّسْناه في الخلق ، فجعلناه بتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم ، وأصل معنى التنكيس: جعل أعلا الشيء أسفله.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} [الروم: 54] الآية. وقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 45] الآية على أحد التفسيرين ، وقوله تعالى في الحج: {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} [الحج: 5] وقوله تعالى في النحل: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} [النحل: 70] وقوله تعالى في سورة المؤمن: {ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً} [غافر: 67] .
وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة النحل وقرأ هذا الحرف عاصم ، وحمزة: {نُنَكِّسْه} بضم النون الأولى ، وفتح الثانية وتشديد الكاف المكسورة من التنكيس: وقرأه الباقون بفتح النون الأولى ، وإسكان الثانية ، وضم الكاف مخففة مضارع نكسه المجرد وهما بمعنى واحد. وقرأ نافع وابن ذكروان عن ابن عامر: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} بتاء الخطاب؟ وقرأه الباقون: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} بياء الغيبة.
قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ} .