ومعنى تذليل الأنعام خلق مهانتها للإِنسان في جبلتها بحيث لا تُقدم على مدافعة ما يريد منها فإنها ذات قُوات يدفع بعضها بعضاً عن نفسه بها فإذا زجرها الإِنسان أو أمرها ذلّت له وطاعت مع كراهيتها ما يريده منها ، من سير أو حمل أو حلب أو أخذ نسل أو ذبح.
وقد أشار إلى ذلك قوله: {فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} .
والرَّكوب بفتح الراء: المركوب مثل الحلوب وهو فعول بمعنى مفعول ، فلذلك يطابق موصوفه يقال: بعير رَكوب وناقةٌ حَلوبة.
و {مِن} تبعيضية ، أي وبعضها غير ذلك مثل الحرث والقتال كما قال: {ولهم فيها منافِعُ ومشَارِبُ} والمشارب: جمع مشرب ، وهو مصدر ميمي بمعنى: الشرب ، أريد به المفعول ، أي مشروبات.
وتقديم المجروريْن بـ (مِن) على ما حقهما أن يتأخرا عنهما للوجه الذي ذكر في قوله: {فهم لها مالِكُون} .
وفرع على هذا التذكير والامتنان قوله: {أفلا يَشْكُرونَ} استفهاماً تعجيبياً لتركهم تكرير الشكر على هذه النعم العِدّة فلذلك جيء بالمضارع المفيد للتجديد والاستمرار لأن تلك النعم متتالية متعاقبة في كل حين ، وإذ قد عُجِب من عدم تكريرهم الشكر كانت إفادة التعجيب من عدم الشكر من أصله بالفحوى ولذلك أعقبه بقوله: {واتخذوا من دُوننِ الله ءَالِهَةً} [يس: 74] .
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)
عطف على جملة {أو لم يروا أنَّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً} [يس: 71] ، أي ألم يروا دلائل الوحدانية ولم يتأملوا جلائل النعمة ، واتخذوا آلهة من دون الله المنعِم والمنفرد بالخلق.
ولك أن تجعله عطفاً على الجملتين المفرعتين ، والمقصود من الإِخبار باتخاذهم آلهة من دون الله التعجيب من جريانهم على خلاف حقّ النعمة ثم مخالفةِ مقتضى دليل الوحدانية المدمَج في ذكر النعم.