فأما الذين رأوا الإِمساك عن تأويل أمثال هذه الاستعارات فسمّوها المتشابه وإنما أرادوا أننا لم نصل إلى حقيقة ما نعبر عنه بالكنه ، وأما الذين تأوّلوها بطريقة المجاز فهم معترفون بأن تأويلها تقريب وإساغة لغصص العبارة.
فأما الذين أثبتوا وصف الله تعالى بظواهرها فباعثهم فرط الخشية ، وكان للسلف في ذلك عذر لا يسع أهل العصُور التي فشَا فيها الإِلحاد والكفر فهم عن إقناع السائلين بمعزل ، وقلم التطويل في ذلك مَغْزِل.
والأنعام: الإِبل والبقر والغنم والمعز.
وفرع على خلقها للناس أنهم لها مالكون قادرون على استعمالها فيما يشاءُون لأن الملك هو أنواع التصرف.
قال الربيع بن ضَبُع الفزاري من شعراء الجاهلية المعمَّرين:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا
أملِك رأسَ البعير إن نفرا...
وهذا إدماج للامتنان في أثناء التذكير.
وتقديم {لَهَا} على {مالكون} الذي هو متعلَّقه لزيادة استحضار الأنعام عند السامعين قبل سماع متعلّقه ليقع كلاهما أمكن وَقع بالتقديم وبالتشويق ، وقضى بذلك أيضاً رَعي الفاصلة.
وعدل عن أن يقال: فهُم مالكوها ، إلى {فهم لها مالكون} ليتأتّى التنكير فيفيدَ بتعظيم المالكين للأنعام الكنايةَ عن تعظيم الملك ، أي بكثرة الانتفاع وهو ما أشار إليه تفصيلاً وإجمالاً قوله تعالى: {وذللناها لهم} إلى قوله: {ولهم فيها منافِعُ ومشارِبُ} .
وأن إضافة الوصف المُشبه الفعل وإن كانت لا تكسَب المضاف تعريفاً لكنها لا تنسلخ منها خصائص التنكير مثل التنوين.
وجيء بالجملة الاسمية لإِفادة ثبات هذا الملك ودوامه.
والتذليل: جعل الشيء ذليلاً ، والذليل ضد العزيز وهو الذي لا يدفع عن نفسه ما يكرهه.