وقيل: هو ما نصبه الله لهم من الدلائل العقلية التي في سماواته ، وأرضه ، وجملة {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تعليل لما قبلها من النهي عن طاعة الشيطان ، وقبول وسوسته ، وجملة {وَأَنِ اعبدونى} عطف على {أن لا تعبدوا} ، وأن: في الموضعين هي المفسرة للعهد الذي فيه معنى القول ، ويجوز أن تكون مصدرية فيهما أي: لم أعهد إليكم بأن لا تعبدوا بأن اعبدوني ، أو ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان ، وفي عبادتي {هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ} أي: عبادة الله ، وتوحيده ، أو الإشارة إلى دين الإسلام.
ثم ذكر سبحانه عداوة الشيطان لبني آدم ، فقال: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} اللام هي: الموطئة للقسم ، والجملة مستأنفة للتقريع والتوبيخ ، أي: والله لقد أضلّ إلخ.
قرأ نافع ، وعاصم {جبلاً} بكسر الجيم ، والباء ، وتشديد اللام ، وقرأ أبو عمرو ، وابن عامر بضم الجيم ، وسكون الباء ، وقرأ الباقون بضمتين مع تخفيف اللام ، وقرأ ابن أبي إسحاق ، والزهري ، وابن هرمز بضمتين مع تشديد اللام ، وكذلك قرأ الحسن ، وعيسى بن عمر ، والنضر بن أنس ، وقرأ أبو يحيى ، وحماد بن سلمة ، والأشهب العقيلي بكسر الجيم ، وإسكان الباء ، وتخفيف اللام قال النحاس: وأبينها القراءة الأولى.
والدليل على ذلك أنهم قد قرءوا جميعاً {والجبلة الأوّلين} [الشعراء: 184] بكسر الجيم ، والباء ، وتشديد اللام.
فيكون جبلاً جمع جبلة ، واشتقاق الكل من جبل الله الخلق أي: خلقهم ، ومعنى الآية: أن الشيطان قد أغوى خلقاً كثيراً كما قال مجاهد.
وقال قتادة: جموعاً كثيرة ، وقال الكلبي: أمماً كثيرة.
قال الثعلبي: والقراءات كلها بمعنى: الخلق ، وقرئ"جيلاً"بالجيم ، والياء التحتية.