وهنا يعمل الغرور عنده عمله ، فيجتمع عليه الجهل مع الغرور ، ويوحيان إليه أنهم ما سكتوا عنه إلاَّ لإفحامه إياهم ، وأنه الآن سلطانهم وموجههم ولا سلطان عليه ، إذا شب عقله عن الطوق .
فيهذي بما يظنه علماً وحكمهَ ، ولا يزال يهذي ، حتى تفوح رائحة جهله ، ويضطرب أمره ، بما يكشفه الله من عواره ، ويفضحه من أباطيله ، وإذا به أمام مرآة الحقيقة عارياً ، يستغفر الله _ إن عاد إليه عقله _ مما كان يظنه تسبيحاً .
وإني لأذكر غرور من ذكرت ، ممن وصفت ، فأذكر قصة"كفر الذبابة"التي صاغها أدب معجزة الأدب العربي ، مصطفى صادق الرافعي ، في كتابه"وحي القلم"وأتساءل ما الذي يغير العلماء من سفه الجهلاء ، فيجيبني"سقط الزند"على لسان حكيم المعرة:
إذا وصف الطائي بالبخل ما در وعيَّرَ قِسَّاً بالفهاهة باقل
وقال السها للشمس: أنت ضئيلة وقال الدجى: يا صبح لونك حائل
وفاخرت الأرض السماء سفاهة وطاولت النجم الحصى والجنادل
فيا موت زُرْ ، إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي ، إن دهرك هازل
لقد أخبرني شيخي أثناء طلبي للعلم في الأزهر ، أنه قرأ يوماً أثناء طلبه للعلم في كتاب المعاملات من الفقه ما نصه:"ويحرم بيع برَمْبَلولٍ ببَرَمْبلول".
قال: فاستعصى علي فهم هذه الكلمة ، فنظرت في الشروح فلم أجد أحداً من العلماء قد شرحها أو علق عليها ، ونظرت في الحواشي ، فلم أجد من بيَّنها أو أوضحها ، وكدت أتهم المتون ، والشروح ، والحواشي والتقريرات ، بالعجز والقصور ، لأنها ضاقت عن أن تشرح هذه العبارة ، أو أتهم المؤلف بالخطأ .
ثم رأيت أن أتهم عقلي قبل اتهامها ، لأنه لو كان الخطأ في العبارة من المؤلف لتنبه له واحد على الأقل من العشرات الذين شرحوا الكتاب أو علقوا عليه ، فمن المحال أن يكون الجميع قد اتفقوا على هذا الخطأ ، ولا بد أن الخطأ في عقلي وفهمي .