نعم ... لقد قال الشافعي هذه الكلمة ، وهو الشافعي ، فلم يحتج بقول الصحابي على تفصيل وضوابط في هذه المسألة ، قال الشافعي هذه الكلمة وهو أهل لأن يقولها ، ولذلك ضج بها علماء عصره ، وهبوا لمناصرته فيها ، وكثير منهم من تبناها ، وصارت إلى يومنا هذا قاعدة عامة من قواعد الشافعي في مذهبه ، والشافعية من بعده .
لقد قال الشافعي هذه الكلمة فحملت معناها كاملاً ، ولكنها ومع الأسف قد ابتذلت في عصرنا هذا حتى فقدت معناها ... حينما أصبحت شعاراً يردده الصبية والجهلة يريدون به أن يضعوا أنفسهم في مصاف أئمة المسلمين ... والواحد منهم لا يعرف كيف يقرأ القرآن ، أو يفهم الحديث ، وأما علم اللغة أو الفقه أو الأصول فهذا شيء ما خطر له على بال ، فالفاعل عنده منصوب ، والمفعول به مرفوع ، والفعل مجرور ، وأصول الفقه بدعة ، والفقه ما يفهمه هو بهذه العقلية القاحلة ، فهو رجل والأئمة المجتهدون رضي الله عنهم رجال ... ؟!
ليس العجيب في أن يتجرأ أحد الجهلة على مثل هذه الكلمة فالتاريخ مليء بمثل هذا ، ولكن العجيب أن يصير الجهل شعاراً يتفاخر به الناس ... ؟ ! ولذلك قال علي كرم الله وجهه ورضي عنه للخوارج حينما قالوا: لا حكم إلاَّ لله ، قال لهم: (( كلمة حق أريد بها باطل ) ):
على أنها الأيام قد صرن كلها عجائب ، حتى ليس فيها عجائب
(1) أنظر كتابنا الاجتهاد وطبقات مجتهدي الشافعية
خطر تلقي العلم عن الكتاب دون معلِّم
إن من أعظم آفات الجهل أنه يوحي إلى صاحبه أنه عالم ، بل يوحي إليه أنه من أكبر عباقرة الكون ، فبتخيل أنه يتكلم بكلام العلماء ، وأنه يلحن لحنهم وأن ما يقوله هو الحكمة ، وما يسطره هو القانون فيتكلم ويسكت العلماء عنه ... خشية من أن يصيبهم رُشاشُ جهله.