ثم أخبر عن آثارها التي هي قريبة من فهم الإنسان لا عن حقيقتها، فإنه من لم يذق لا يدري فقال: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ} [الروم: 50] أي رحمتها الخاصة {كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ} [الروم: 50] أرض القلوب بالفيض الإلهي {بَعْدَ مَوْتِهَآ} [الروم: 50] بكبائر الذنوب، {إِنَّ ذَلِكَ} [الروم: 50] أي أن الآثار التي تراها {لَمُحْيِ الْمَوْتَى} [الروم: 50] فهو الله المحيي يحيي الموتى من القلب بتجلي صفة المحيي للقلوب الميتة فيحيها، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50] من أحيا قالب الإنسان بعد موته في الحشر ومن أحيا قلب بعد موته في الدنيا.
ثم أخبر عن أموات الأحياء من غير الأحياء بقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} [الروم: 51] يشير إلى ريح الشقاوة الأزلية إذا هبت عن مهب القهر والعزة على زرع معاملة الأشقياء، وإن كانت مخضرة أي على وفق الشرع نجعلها مصفرة يابسة تذروها الرياح كأعمال المنافق وخلوا بعد الإيمان التقليدي بالنفاق يكفرون بالله وبنعمه.
وبقوله: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [الروم: 52] يشير إلى أن الكفر موت القلب كما أن العصيان مرض فمن مات قلبه بالكفر بطل سمعه فلا تنفعه لصمه وهو معنى قوله: {وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ} [الروم: 52] يعني: إذا كان في السرية صم عن سماع الحقيقة فسماع الظاهر لا يفيده إلا تأكيد الحجة، {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} [الروم: 52] معرضين عن الحق، وكما لم يسمع الصم الدعاء فلم يمكنه أن يهدي العمي {وَمَآ أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ} [الروم: 53] عن ضلالتهم لأنهم موتى عن الحياة الحقيقية فالميت لا يبصر شيئاً كما {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} لأن الإيمان حياة القلب، فإذا كان القلب حياً يكون له السمع والبصر واللسان.