{فَجَآءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ} [الروم: 47] على لسان التحقيق في بيان الطريق لأهل التصديق فمن قابلهم بالتصديق وصل إلى خلاصة التحقيق، ومن عارضهم بالإنكار والجحود فابتلاهم بعذاب الخلود في الإبعاد والجحود وذلك تحقيق قوله: {فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ} [الروم: 47] أي: أنكروا، {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ} [الروم: 47] المتقربين إلينا أن ننصرهم بتقربنا إليهم.
ثم شرح معنى تقربه إلى العباد بقوله: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} [الروم: 48] رياح عطف وجوده {فَتُثِيرُ سَحَاباً} [الروم: 48] من ألطافه {فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ} [الروم: 48] سماء قلوبهم {كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} [الروم: 48] قطعاً، قطعة: تمطر غيث القربة على النفوس فتطهرها من الذنوب، وقطعة: تمطر على الأسرار بغيث الأنوار فتطهرها عن النظر إلى الأغيار، وقطعة: تمطر على الأرواح بغيث الكشف على الأسرار فتطوي ببساط الحشمة على ساحات قربه وتضرب قباب الهيبة بمشاهدة كشفه، وينشر عليهم أنهار أنسه، ثم يتجلى لهم بحقائق قدسه ويسقيهم بكأس التجلي شراب طهور محبته، وبعدما محاهم عن أوصافهم أصحاهم لا بهم ولكن بنفسه والعبارات عن ذلك خرس والإشارات دونها طمس، هذه حقائق قوله: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48] بألطاف الربوبية.
{وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} [الروم: 49] مطر العناية، {مِّن قَبْلِهِ} [الروم: 49] أي من قبل مطر العناية {لَمُبْلِسِينَ} [الروم: 49] آيسين من نزول المطر آيسين أيضاً من كمالية مطر العناية أن يكون كما استبشروا به؛ لأن حقائق تلك العناية ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.