اللَّهُ مبتدأ وخبره الَّذِي خَلَقَكُمْ أي اللّه هو فاعل هذه الأفعال الخاصة التي لا يقدر على شيء منها أحد غيره ، ثم قال هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ الذين اتخذتموهم أندادا له من الأصنام وغيرها مَنْ يَفْعَلُ شيئا قط من تلك الأفعال ، حتى يصح ما ذهبتم إليه ، ثم استبعد حاله من حال شركائهم. ويجوز أن يكون الَّذِي خَلَقَكُمْ صفة للمبتدإ ، والخبر: هل من شركائكم ، وقوله مِنْ ذلِكُمْ هو الذي ربط الجملة بالمبتدإ ، لأن معناه: من أفعاله. ومن الأولى والثانية والثالثة: كل واحدة منهنّ مستقلة بتأكيد ، لتعجيز شركائهم ، وتجهيل عبدتهم.
[سورة الروم (30) : آية 41]
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)
الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ نحو: الجدب ، والقحط ، وقلة الريع في الزراعات والريح في التجارات ، ووقوع الموتان في الناس والدواب ، وكثرة الحرق والغرق ، وإخفاق الصيادين «1» والغاصة ، ومحق البركات من كل شيء ، وقلة المنافع في الجملة وكثرة المضارّ. وعن ابن عباس:
أجدبت الأرض وانقطعت مادّة البحر. وقالوا: إذا انقطع القطر عميت دواب البحر. وعن الحسن أنّ المراد بالبحر: مدن البحر وقراه التي على شاطئه. وعن عكرمة: العرب تسمى الأمصار البحار. وقرئ في البر والبحور بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ بسبب معاصيهم وذنوبهم ، كقوله تعالى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وعن ابن عباس ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ بقتل ابن آدم أخاه. وفي البحر بأن جلندى كان يأخذ كل سفينة غصبا: وعن قتادة: كان ذلك قبل البعث ، فلما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجع راجعون عن الضلال والظلم. ويجوز أن يريد ظهور الشر والمعاصي بكسب الناس ذلك. فإن قلت: ما معنى قوله لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ؟ قلت أمّا على التفسير الأول فظاهر ، وهو أنّ اللّه قد أفسد أسباب دنياهم ومحقها ، ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة ، لعلهم يرجعون عما هم عليه. وأمّا على الثاني فاللام مجاز ، على معنى أنّ ظهور الشرور بسببهم مما استوجبوا به أن يذيقهم اللّه وبال أعمالهم إرادة الرجوع ، فكأنهم إنما أفسدوا وتسببوا لفشوّ المعاصي في الأرض لأجل ذلك. وقرئ: لنذيقهم ، بالنون.
(1) . قوله «و إخفاق الصيادين» في الصحاح: أخفق الصائد ، إذا رجع ولم يصطد. (ع)