قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِّي لَا أُشَبِّهُ أَهْلَ هَذَا الزَّمَانِ، إِذَا رَأَيْتُهُمْ قَدْ تَلَاقَوْا فِي الْمَحَافِلِ وَتَدَانُوا فِي الْمَجَالِسِ وَتَحَالَتْ بِهِمُ الرُّكَبُ، إِلَّا بِقَوْمٍ تَصَافُّوا مُسْتَعِدِّينَ لِمُحَارَبَةِ أَعْدَائِهِمْ وَتَضَافَرُوا مُتَأَهِّبِينَ لِمُنَاصَبَةِ أَقْرَانِهِمْ فَشَدُّوا مَرْكَزَ اللِّقَاءِ بِسُيُوفٍ مَشْهُورَةٍ. وَأَسِنَّةٍ مَطْرُوزَةٍ وَقِسِيٍّ مُوتَرَةٍ وَسِهَامٍ مُفَوَّقَةٍ فَتَطَاعَنُوا ضَرْبًا بِسُيُوفِهِمْ وَدَعْسًا بِرِمَاحِهِمْ وَتَرَاشَقُوا خَصْلًا سِهَامَهُمْ. حَتَّى انْفَلَّتْ سُيُوفُهُمْ وَكَلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَنَثَلَثْ كِنَانَتُهُمْ عَنْ آخِرِ أَهْزَعَ، فَأَجْلَتِ الْمَعْرَكَةُ بَيْنَهُمْ عَنْ قَتِيلٍ تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُ وَجَرِيحٍ يَفِحُّ عَائِدُهُ وَمُرْتَثٍّ لَا نُهُوضَ بِهِ وَمُثْخَنٍ يَنُوءُ عَلَى ضِلْعِهِ. فَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالْمِثَالُ فِيمَا شَبَّهْتُهُ لَكَ مَعَ صَنِيعِ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ إِذَا ضَمَّتْهُمُ الْمَجَالِسُ وَلَفَّتْهُمُ الْمَلَاقِي وَالْمَجَامِعُ فَتَصَوَّرِ الْآنَ قُلُوبَهُمْ وَمَا تُجِنُّهُ ضَمَائِرُهُمْ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَمَا تَحْنِي عَلَيْهِ ضُلُوعُهُمْ مِنَ الْإِحَنِ وَالضَّغَائِنِ قِسِيًّا مُوتَرَةً وَأَلْسِنَتُهُمْ وَمَا يَرْمُونَ بِهِ مِنَ الْقَوْلِ سِهَامًا مُفَوَّقَةٌ. نَصَبُوا لَهَا أَعْرَاضَ النَّاسِ أَغْرَاضًا وَافْتَرَضُوا بِهَا افْتِرَاضًا فَهُمْ إِذَا تَأَمَّلْتَهُمْ وَجَدْتَهُمْ عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى: مِنْهُمْ ذُو الْقُحَّةِ الَّذِي يُكَاشِفُ بِالشَّتْمِ الصَّرِيحِ مُكَاشَفَةً وَيُجَاهِرُ بِاللَّفْظِ الْقَبِيحِ مُجَاهَرَةً وَمُعَالَنَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَرِّضُ بِالْأَذَى وَيُكَنِّي وَيُمَرِّضُ الْقَوْلَ بِهِ وَيُوَرِّي. وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْذِي صَاحِبَهُ بِالْمُسَارَّةِ وَالنَّجْوَى وَالْمُبَاثَّةِ وَالشَّكْوَى. وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْحُو أَخَاهَ بِغَمْزِ الْعَيْنِ وَزَمِّ الْجَبِينِ وَرَمْزِ الشَّفَتَيْنِ وَكَرْفِ الْعِرْنَيْنِ. وَمِنْهُمْ جَانِبٌ لَا يُعَاجِلُ بِالسُّوءِ مُعَاجَلَةً وَلَا يُؤَاخِذُ بِالذَّنْبِ بَغْتَةً لَكِنْ يُحْصِي الْأَنْفَاسَ وَيَعُدُّ الْحُرُوفَ وَالْأَلْفَاظَ وَيَحْفَظُهَا لِيَوْمِ حَاجَتِهِ وَأَوَانِ