وأما أن نتكلف ونجعل تلك الجملة اسمية حتى نفر من إضمار قد ، فلا نذهب إلى ذلك ، وإنما حمل الزمخشري على ذلك اعتقاده أن جميع الجمل مندرجة فِي الحال ، ولذلك قال: فإن قلت ، بعض القصة ماض وبعضها مستقبل ، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقع حالاً حتى يكون فعلاً حاضراً وقت وجود ما هو حال عنه ، فما الحاضر الذي وقع حالاً ؟ قلت: هو العلم بالقصة ، كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة ، وبأولها وبآخرها ؟ انتهى كلامه.
ولا يتعين أن تكون جميع الجمل مندرجة فِي الحال ، إذ يحتمل أن يكون الحال قوله: وكنتم أمواتاً فأحياكم ، ويكون المعنى كيف تكفرون بالله وقد خلقكم فعبر عن الخلق بقوله تعالى: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} ، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم:"أن تجعل لله نداً وهو خلقك"أي أن من أوجدك بعد العدم الصرف حر أن لا تكفر به ، لأنه لا نعمة أعظم من نعمة الاختراع ، ثم نعمة الاصطناع ، وقد شمل النعمتين قوله تعالى: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} لأن بالإحياء حصلتا.
ألا ترى أنها تضمنت الجملة الإيجاد والإحسان إليك بالتربية والنعم إلى زمان أن توجه عليك إنكار الكفر ؟ ولما كان مركوزاً فِي الطباع ومخلوقاً فِي العقول أن لا خالق إلا الله ، {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} كانت حالاً تقتضي أن لا تجامع الكفر ، فلا يحتاج إلى تكلف.
إن الحال هو العلم بهذه الجملة.
وعلى هذا الذي شرحناه يكون قوله تعالى: {ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} جملاً أخبر الله تعالى بها مستأنفة لا داخلة تحت الحال ، ولذلك غاير فيها بحرف العطف وبصيغة الفعل عما قبلها من الحرف والصيغة.
ومن جعل العلم بمضمون هذه الجمل هو الحال ، جعل تمكنهم من العلم بالإحياء الثاني والرجوع لما نصب على ذلك من الدلائل التي توصل إليه بمنزلة حصول العلم.