ثم تذكر البنت حيثيات هذا العرض الذي عرضته على أبيها {إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] وهذان شرطان لا بُدَّ منهما في الأجير: قوة على العمل ، وأمانة في الاداء . وقد تسأل: ومن أين عرفتْ البنت أنه قوي أمين؟
قالوا: لأنه لما ذهب ليسقي لهما لم يزاحم الناس ، وإنما مال إلى ناحية أخرى وجد بها عُشْباً عرف أنه لا ينبت إلا عند ماء ، وفي هذا المكان أزاح حجراً كبيراً لا يقدر على إزاحته إلا عدة رجال ، ثم سقى لهما من تحت هذا الحجر ، وعرفتْ أنه أمين حينما رفض أن تسير أمامه ، حتى لا تظهر له مفاتن جسمها .
ويأتي دور الأب ، وما ينبغي له من الحزم في مثل هذه المواقف ، فالرجل سيكون أجيراً عنده ، وفي بيته بنتان ، سيتردد عليهما ذهاباً وإياباً ، ليلَ نهار ، والحكمة تقتضي إيجاد علاقة شرعية لوجوده في بيته ؛ لذلك رأى أن يُزوِّجه إحداهما ليخلقَ وَضْعاً ، يستريح فيه الجميع: {قَالَ إني أُرِيدُ}
في الأمثال نقول: (اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك) ذلك لأن كبرياء الأب يمنعه أنْ يعرض ابنته على شاب فيه كلُّ صفات الزوج الصالح وإنْ كان القلة يفعلون ذلك وهذه الحكمة من الأب في أمر زواج ابنته تحلُّ لنا إشكالات كثيرة ، فكثيراً ما نجد الشاب سويَّ الدين ، سويَّ الأخلاق ، لكن مركزه الاجتماعي كما نقول دون مستوى البنت وأهلها ، فيتهيب أنْ يتقدّم لها فيُرفض .
وفي هذه الحالة على الأب أنْ يُجَرِّئ الشاب على التقدم ، وأن يُلمح له بالقبول إن تقدَّم لابنته ، كأن يقول له: لماذا لم تتزوج يا ولد حتى الآن ، وألف بنت تتمناك؟ أو غير ذلك من عبارات التشجيع .