وقولها كلام حكيم جامع ، لأنه إذا اجتمعت الكفاية والأمانة في القائم بأمر ، فقد تم المقصود ، وهو كلام جرى مجرى المثل ، وصار مطروقاً للناس ، وكان ذلك تعليلاً للاستئجار ، وكأنها قالت: استأجره لأمانته وقوته ، وصار الوصفان منبهين عليه.
ونظير هذا التركيب قول الشاعر:
ألا إن خير الناس حياً وهالكاً ...
أسير ثقيف عندهم في السلاسل
جعل خير من استأجرت الاسم ، اعتناء به.
وحكمت عليه بالقوة والأمانة.
ولما وصفته بهذين الوصفين قال لها أبوها: ومن أين عرفت هذا؟ فذكرت إقلاله الحجر وحده ، وتحرجه من النظر إليها حين وصفتها الريح ؛ وقاله ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد ، وغيرهم.
وقيل: قال لها موسى ابتداء: كوني ورائي ، فإني رجل لا أنظر إلى أدبار النساء ، ودليني على الطريق يميناً أو يساراً.
وقال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله: {عسى أن ينفعنا} وأبو بكر في عمر.
وفي قولها: {استأجره} ، دليل على مشروعية الإجارة عندهم ، وكذا كانت في كل ملة ، وهي ضرورة الناس ومصلحة الخلطة ، خلافاً لابن علية والأصم ، حيث كانا لا يجيزانها ؛ وهذا مما انعقد عليه الإجماع ، وخلافهما خرق.
{قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} : رغب شعيب في مصاهرته ، لما وصفته به ، ولما رأى فيه من عزوفه عن الدنيا وتعلقه بالله وفراره من الكفرة.
وقرأ ورش ، وأحمد بن موسى ، عن أبي عمرو: أنكحك إحدى ، بحذف الهمزة.
وظاهر قوله: {أن أنكحَك} ، أن الإنكاح إلى الولي لا حق للمرأ فيه ، خلافاً لأبي حنيفة في بعض صوره ، بأن تكون بالغة عالمة بمصالح نفسها ، فإنها تعقد على نفسها بمحضر من الشهود ، وفيه دليل على عرض الولي وليته على الزوج ، وقد فعل ذلك عمر ، ودليل على تزويج ابنته البكر من غير استئمار ، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا بلغت البكر ، فلا تزوج إلا برضاها.