وإيصال الإيمان إلى القلب لا يملكه أحد سوى الله سبحانه وتعالى بهذا المعنى جاء (إنك لا تهدي من أحببت) بمعنى أنك لا تستطيع أن توصل ثمرة الإرشاد الذي هو الإيمان إلى قلوب الناس، وإنما هذا من فعل الله سبحانه وتعالى (ولكن الله يهدي من يشاء) الإيصال لله. إذن صار للهدى معنيان: المعنى الأول هو الإرشاد، والإرشاد هو مهمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستعمل بهذا المعنى في آية أخرى كما قلنا (أما ثمود فهديناهم) أي أرشدناهم، و (وهديناه النجدين) وضحنا له الطريقين، أرشدناه إلى الطريقين. (إنك لتهدي) أي إنك لترشد إلى طريق الهداية، هذا جزء من مهمته بل هو أهم مهمة من مهمات الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الإرشاد والبيان. المعنى الآخر هو إيصال الهداية إلى القلب بحيث ينبني عليها الإيمان، هذا لا يملكه بشر بل لا يملكه مخلوق وهذا المقصود من قوله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت) إنك تحب أن توصل الإيمان إلى القلب لكن هذا ليس لك والذي لك هو مجرد البيان والإرشاد فليس هناك تعارض.
هناك شيء (إنك لا تهدي من أحببت) ما قال: إنك لن تهدي. لو قال إنك لن تهدي أولاً يكون المعنى للمستقبل (يمكن أن تهدي الآن أو أنك هديت) هذا أمر والأمر الآخر لما يقول (إنك لا تهدي) هذا بيان لحقيقته، لصفته، بينما لما يقول: إنك لن تهدي يدفع الفعل للإستقبال فقط. هو لا يريد أن يدفعه للإستقبال فقط وإنما يريد أن يبين حقيقة. عندما يريد أن يبين حقيقة يستعمل (لا) (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) لا يقول لن يصلح عمل المفسدين لأنها مستقبل لكن لما يقول (لا يصلح) لأن هذا فعل الله عز وجل في الماضي والحاضر والمستقبل. هذه حقيقة يعني إذا أراد أن يعبر عن حقيقة شيء، لما نقول هذه حقيقة يعني حقيقة ثابتة تشمل الماضي والحاضر والمستقبل (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) ما قال لن يصلح صحيح (لن) فيها معنى التأكيد لكن (لا) هنا أثمر لأنها تثمر النفي في الماضي والحاضر والمستقبل، لأنها تبين حقيقة، فكذلك هنا (إنك لا تهدي من أحببت) يعني ليس من حقيقتك، ليس من شأنك أن توصل الهداية إلى قلوب الناس فيؤمنون.