وبقوله: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] وقوله: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] يشير إلى أن الجن إن كان له من لطافة جسمه قوة ملكوتية يقدر على ذلك بمقدار زمان مجلس سليمان، فإن الإنس ممن عنده علم من الكتاب مع كثافة جسمه وثقله وضعف الإنسانية قوة ربانية قد حصلها من علم الكتاب بالعمل به هو أقدر بها على ما يقدر عليه الجن من الجن، ولما كان كرامة هذا الولي الإتيان بالعرش من معجزة سليمان {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ} [النمل: 40] هذه النعمة التي يفض بها علي برؤية العجز عن الشكر {أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [النمل: 40] لأن الشكر يوجب ازدياد النعمة للشاكر {وَمَن كَفَرَ} [النمل: 40] بأن لم يعرف قدر النعمة ولم يؤد حقها {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} [النمل: 40] عن شكر الشاكرين وكفرانهم {كَرِيمٌ} بإظهار الكرم عليهم.
وبقوله: {قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ} [النمل: 41] من الجاهلين يشير أنها هل تكون من أهل العقل فتهتدي فالفراسة إلى أنه عرشها وإن نكرته وهل تكون من أهل الإيمان فتهتدي بنور الإيمان إلى أن إتيانه بهذه السرعة من إعجاز النبوة أم تكون من جملة [الناس] العرية من العقل والإيمان.