وقال: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ اللَّهُ} [النمل: 36] كم كمالات الدين والقربات والدرجات الأخروية {خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ} من الدنيا وزخارفها {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} أي: أمثالكم من أهل الدنيا بمثل هديتكم الدنيوية الفانية يفرحون بخسة نفوسكم وجهلكم عن الشهادات الأخروية الباقية.
ثم قال للرسول: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ} [النمل: 37] بهديتهم ليعلموا أن أهل الدين لا ينخدعون بحطام الدنيا وإنما نريد منكم الإسلام وإن لم يأتوني مسلمين {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ} [النمل: 37] من الجن والإنس والتأييد الإلهي {لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ} [النمل: 37] من ديارهم ومن أديانهم أذلة وهم صاغرون للإسلام طوعاً وكرهاً.
وبقوله: {قَالَ ياأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38] يشير إلى أن سليمان عليه السلام كان واقفاً على أن في أمنه من هو من أهل الكرامة، فأراد أن يظهر كرامتهم ليعلم أن في أمم الأنبياء عليهم السلام يكون أهل الكرامات فلا تنكروا من كرامات الأولياء كما أنكرت المعتزلة، فإن أدنى مصيدة الإنكار حرمان المنكر عن درجة الكرامات كحرمان أهل الله حرمان المنكر عن درجة الكرامات كحرمان أهل البدع والأهواء عنها، ولا يظن جاهل أن سليمان عليه السلام لم يكن قادراً على الإتيان بعرضها ولم يكن له هذه الكرامات، فإنه أمرهم بذلك لإظهار أهل الكرامات من أمته، ولأن كرامات الأولياء من جملة معجزات الأنبياء، فإنها دالة على صدق نبوته وحقيقة دينهم أيضاً.