وبقوله: {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل: 33] يشير إلى أن شرط أهل المشاورة أنهم لما رأوا رأياً صائباً في أمر المشاورة وأخبروه بذلك لا يحملون عليه بقوله بل يخيرونه في ذلك، فلعله أعلم بصلاح حالهم منهم كما كان حال بلقيس إذ قالت: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} [النمل: 34] فيه إشارة إلى أن العاقل مهما تيسر له دفع الخصوم بطريق صالح لا يوقع نفسه في خطر الهلاك بالمحاربة والمقاتلة بالاختيار إلا أن يكون مضطراً، وفيه إشارة أخرى إلى أن ملوك الصفات الربانية إذ دخلوا قرية الشخص الإنساني بالتجلي أفسدوها بإفساد الطبيعة الإنسانية الحيوانية وجعلوا أعزة أهلها وهي النفس الأمارة وصفاتها أذلة لذلوليتهم بسطوات التجلي، وكذلك يفعلون مع الأنبياء والأولياء؛ لأنهم خلقوا لمرآتيه هذه الصفات إظهاراً للكنز المخفي تفهم إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر عن الهداية الموجبة للهدية بقوله تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [النمل: 35] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35] إلى أن الهدية موجبة استمالت القلوب، ولكن هل أهل الدين لما عارضهم أمر ديني في مقابلة منافع كثيرة دنيوية يرجحون طرف أمر الدين على طرف منافع كثيرة دنيوية واستقلوا كثرتها فانية واستكثروا قليلاً من أمور الدين؛ لأنها باقية كما فعل سليمان عليه السلام فلما جاءه الرسول بالهدية استقل كثرتها.