بما أَخرج عبد بن حميد وابن أَبي حاتم عن قتادة: أَن هذه الآية نزلت في رهط من الأَنصار هَاجَوْا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم: كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، كما استدل عليه بما أَخرجه جماعة عن أَبي سالم حسن بن البراء أَنه قال: لما نزلت {وَالشُّعَرَاءُ ... } الآية، جاءَ عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب ابن مالك، وهم يبكون، فقالوا: يا رسول الله لقد أَنزل الله هذه الآية، وهو يعلم أنَّا شعراء فأَنزل الله {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ... } الآية. فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلاها عليهم.
وقد سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشعر، وأَجاز عليه، وكان يقول لحسان اين ثابت:"اهجهم - يعنى المشركين - وإِن روح القدس سيعينك، وفي رواية:"اهجهم وجبريل معك"، وعن كعب بن مالك - رضي الله عنه - أَن رسول الله - صلى الله علية وسلم - قال:"اهجهم فوالذي نفسى بيده لهو أَشد عليهم من النبل"ذكر ذلك أَبو السعود، والآلوسي في تفسيريهما."
{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} : تهديد شديد لكل من انتصر بظلم يشير إِليه الِإبهام والتهويل في قوله تعالى: {أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} . وقرأ ابن عباس: أَي منفلت ينفلتون؛ من الانفلات وهو النجاة.
والمعنى على القراءتين لا يختلف في غايته، فهو على القراءَة الأولى: وسيعلم الذين ظلموا من الشعراء وغيرهم أي مصير يصيرون، وأَي مرجع يرجعون؛ لأَن مصيرهم إِلى النار وهو أَقبح مصير ومرجعهم إِلى العقاب وهو شر مرجع، ويومئذ لا تنفعهم معذرتهم عما فرطوا في جنب الله. كما قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} .
وعلى القراءَة الثانية: أن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى، وسيعلمون أَن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات ينفلتون إِليه من عذاب الله طمعًا في النجاة حيث توصد في وجوههم كل الطرق والمسالك، ويساقون إلى النار فهي مصيرهم وإِلى العذاب مرجعهم.
وكون الآية عامة فكل ظالم هو الصحيح كما قال ابن أبي حاتم، وقيل: المراد بالظالمين أهل مكة فهو عام أُريد به خاص. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ...