فكان الشعراء كذلك يهيمون أي يدخلون من هنا ويخرجون من هنا، إلى هنا وإلى هنا، ما هدفه؟ ما وجهته؟ لا تدري، في كل وادٍ ليس من وديان الأرض ولكن من وديان الكلام، في كل حديث يتكلمون، تقول لأحدهم أريدك أن تمدحني فيمدحك بما فيك وبما ليس فيك، ويرفعك إلى عنان السماء بكلماتٍ كاذبة أو صادقة أو بعضها وبعضها، وتقول له ذُم فلاناً أو اهجه، فالهجاء والذم قريبٌ من بعضه، فيقول فيه كلاماً ساقطاً، كلاماً باهتاً، كلاماً يشينه ويجعله في سابع أرض من الخسة والضعة والذلة والمسكنة، كما ذهب أحدهم يخطب امرأةً يوماً، إذاً هي تعجبه، بالتأكيد سأل عنها أعجبه وصفها وحسنها فذهب يخطبها فلم ترض به، فرجع من عندها يقول في ذمها لأنها رفضته، يقول:
لها جسم برغوثٍ وساقا نعامةٍ
ووجه كوجه القرد بل هو أقبح
وإذا بشاعر آخر متفائل لا يكره شيئاً فصار يمدح المذموم ويستحسن الشر، فقال:
لا تكره البرغوث إن اسمه
بِر وغوثٍ لا بهِ تدري
فبره مص دمٍ فاسدٍ
والغوث إيقاظك للفجرِ
فكما يحلو له يقول، بهتاناً وكذباً، ومبالغةً وعناداً، وشقاقاً ومخالفةً وهكذا، كان أحدهم يدخل على الملك ليطلب منه عطيةً وهدية، فعلى قدر ما يمدح به الملك سينال من عطاياه وكرمه، فيقول فيه ويقول ويقول، ويرفع ويرفع، فينتفخ الملك من الملوك البشرية لذلك القول الحميد والثناء الجميل من هذا الشاعر، فيقول أحسنت قولاً أجزلوا له العطاء، فيملئون له أوعيته من ذهب أو فضة أو مال أو طعام أو نحو ذلك، كله كذب، ويذهب إلى خصم هذا الملك - عدوه - ولو كان فرعوناً فيقول له أيضاً آيات مدح وكلمات ثناء ما أنزل الله بها من سلطان ليأخذ أيضاً عطيته وهديته،"فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ"بكلامهم وحديثه، ليست لهم وجهة، وليسوا من منطلقين من مبدأ ثابت، وليس لهم طريق مستقيم يسيرون عليه،"وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ".