فبكى زبّان، وقال: لاشيء والله، إلا الضّجر وسوء الخلق وضيق الصدر، وجعل يبكي ويمسح عينيه.
قيل لمدنّى: أما تتقى الله، تؤذي جيرانك؟! قال: فمن أوذى إذاً؟ أوذى من لا أعرفه؟! كان الفرزدق جالساً في حلقة الحسن رحمه الله، فقال رجل: يا أبا سعيد! ما تقول في الرجل يحكي عن غيره، يقول: قال فلانٌ طلقت أمرأتى، وأعتقت عبدي، وفعلت وفعلت ولانّية له في ذلك. فقال الفرزدق: ياأبا سعيد: قد قلت أنا في ذلك. فقال: وما قلت يا أبا فراس؟ فليس كلّ قول يؤخذ به.
قال: قلت:
ولست بمأخوذٍ بشيء تقوله ... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم
قال الحسن: صدق أبو فراس، القول ما قال.
اعترض الإسكندر جيشه يوماً، فرأى فيهم رجلا أعرج، فأمر بإسقاطه، فضحك الأعرج. فقال له الإسكندر: مم ضحكك؟ وقد أسقطتك. فقال: تعجبا منك لحبك آلة الهروب، وكراهتك آلة الوقوف، لأن معي آلة الوقوف في الحرب وتسقطني، فأمر بإثباته في خاصته، وأسنى رزقه.
سمع ابن أبي عتيق يوما نصيباً الشاعر، وكان أسود، ينشد لنفسه:
وددت ولم أخلق من الطّير أنّني ... أعار جناحي طائر فأطي
فقال له ابن أبي عتيق: يا ابن أخي! قل: غاق تطر. شبهه بالغراب لشدة سواده. هاج بأبي علقمة الأعرابيّ الدّم، فأتوه بحجّام، قال له: يا حجّام! اشدد قصبة الملزم، وأرهف ظبة المشرط، وأسرع الوضع، وأسرع الوضع، وعجل النّزع، وليكن شرطك وخزاً، ومصّك نهزاً. فقام الحجام ناهضاً، وقال: انتظر حتى يأتيك ابن القريّة فيحجمك.
قال الهيثم بن عديّ: كنت يوماً بكناسة الكوفة إذ أنا برجل قد وقف على نخّاس الدّواب، فقال له: اطلب لي حماراً ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفق، وإن كثر الزحام ترفق، لا يصادم في السّوارى، ولا يدخل تحت البواري، إن أقللت علفه صبر، وإن أكثرت له شكر، وإن ركبته هام، وإن ركبه غيري نام. فقال له النخاس: اصبر يا عبد الله، فإذا مسخ القاضي حماراً، أصبت حاجتك إن شاء الله تعالى.
خطب أبو القطوف إلى قوم وليةً لهم، فأجابوه، وقالوا لها من الضياع والمال كذا وكذا، فما مالك أنت؟ قال: إن كنتم صادقين فإن مالها يكفيني وإياها ما عشنا، فما سؤالكم عن مالى؟! وقال عبد الملك بن عبد الحميد الحارثي:
يا أخت كندة عافي شرب عثمان ... وأزمعى لبنى عوف بهجران
يا أخت كنده سيرى سير ساخطةٍ ... كي تنتوي غضبي وغضبان
يا أخت كنده ليس الرّزق في يده ... الرّزق قي يد من لو شاء أغناني