ومثَّلْنا لذلك بالتلميذ الذي يجدّ ويجتهد في دروسه ، لأنه يستحضر يوم الامتحان ونتيجته ، وكيف سيكون موقفه في هذا اليوم ، إذن: لو استحضر الإنسانُ الثوابَ على الطاعة لَسهُلَتْ عليه وهانتْ عليه متاعبها ، ولو استحضر عاقبة المعصية وما ينتظره من جزائها لا بتعد عنها .
فالتكاليف الشرعية تستلزم الصبر ، كما قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين} [البقرة: 45] .
فالحق تبارك وتعالى يريد منّا ألاَّ نعزل التكاليف عن جزائها ، بل ضَعِ الجزاء نُصْب عينيك قبل أنْ تُقدِم على العمل .
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أحد صحابته:"كيف أصبحتَ يا حارثة"فيقول: أصبحتُ مؤمناً حقاً ، فقال:"إنَّ لكل حقّ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك".
قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا ، حتى استوى عندي ذهبها ومدرها ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون ، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون"."
فالمسألة إذن في نظرهم لم تكُنْ غيباً ، إنما مشاهدة ، كأنهم يرونها من شدة يقينهم بها ؛ لذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"عرفتَ فالزم".
والإمام علي كرَّم الله وجهه يقول: لو كُشِف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً . لماذا؟ لأنه بلغ من اليقين في الغيب إلى حَدِّ العلم والمشاهدة .
ثم يقول تعالى: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً} [الفرقان: 75] .
التحية أن نقول له: إننا نُحيِّيك يعني: نريد حياتك بأُنْسك بِنَا ، والسلام: الأمان والرحمة ، لكن ممَّنْ يكون السلام؟ ورَدُّ السلام في القرآن الكريم بمعان ثلاثة: سلام من الله ، كما في قوله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] .
وسلام من الملائكة: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم} [الرعد: 2324] .