لكن ، لماذا تختلف الأهواء؟ قالوا: لأن طبيعة الحياة تتطلب أن تكون الأهواءُ مختلفةً ؛ لأن مجالات الحياة متعددة ، فهذا هواه في كذا ، وهذا هواه في كذا . فترى الصَّديقَيْن يلازم أحدهما الآخر ، ويشاركه طعامه وشرابه ، فلا يفرقهما شيء ، فإذا ما ذهبا لشراء شيء ما تباينتْ أهواؤهما ، كما أن هوىً مختلفاً يخدم هوىً مختلفاً ، فالذين اختلفوا مثلاً في تصميم الأشياء يخدمون اختلاف الأذواق والأهواء ، لذلك يقولون: خلاف هو عَيْن الوفاق ، ووفاق هو عَيْن الخلاف .
وقد ضربنا لذلك مثلاً بسيطاً: هَبْ أنك دخلتَ مطعماً ، وأنت تفضل مثلاً ورك الدجاجة وغيرك كذلك يفضله ، وصادف أن في المطعم (وركاً) واحداً ، فلا شكَّ أنكما ستختلفان عليه . إذن: اتفقتما في الأول لتختلفا في الآخر ، لكن إن اختلفتْ رغباتكما ، فسوف ينتج عن هذا الاختلاف اتفاقٌ في النهاية ، فأنت ستأخذ الورك ، وغيرك سيأخذ الصدر ، فهذا إذن خلاف يؤدي إلى وفاق ، ووفاق يؤدي إلى خلاف .
هنا يقول الحق سبحانه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} [الفرقان: 43] الهَوَى . أن تكون هناك قضية ظاهرٌ فيها وَجْه الحق ، إلا أنك تميلُ عنه وأنت تعرفه ، لا أنك تجهله .
لذلك يقول العلماء: آفةُ الرأْي الهوى . فالرأي قد يكون صائباً ، لكن يميل به الهوى حيث يريد الإنسان ، وقلنا: لا أدلّ على ذلك من أن الرجل منهم كان يسير فيجد حجراً أجمل من حَجره الذي يعبده ، فيَلْقي الإله الذي يعبده ليأخذ هذا الذي هو أجمل منه فيتخذه إلهاً ، إذن: هواه في جمال الحجر غلب أنه إله .
وقد وقف المستشرقون عند قوله تعالى في حَقِّ النبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} [النجم: 3] .
يقولون: كيف يحكم الله بأن رسوله لم ينطق عن الهوى ، وقد عدَّل له بعض ما نطق به ، مثل قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ} [التحريم: 1] .