ثم ذكروا من الحكم المفصلة وجوهاً: أحدها: أنه تعالى إنما أجرى العادة بأن لا يفعل ذلك إلا على ترتيب وتدريج ، لأن المكلفين إذا تحلوا المشقة فِي الحرث والغرس طلباً للثمرات وكدوا أنفسهم فِي ذلك حالاً بعد حال علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل هذه المشاق لطلب هذه المنافع الدنيوية ، فلأن يتحملوا مشاق أقل من المشاق الدنيوية لطلب المنافع الأخروية التي هي أعظم من المنافع الدنيوية كان أولى ، وصار هذا كما قلنا أنه تعالى قادر على خلق الشفاء من غير تناول الدواء لكنه أجرى عادته بتوقيفه عليه لأنه إذا تحمل مرارة الأدوية دفعاً لضرر المرض ، فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعاً لضرر العقاب كان أولى وثانيها: أنه تعالى لو خلقها دفعة من غير هذه الوسائط لحصل العلم الضروري بإسنادها إلى القادر الحكيم ، وذلك كالمنافي للتكليف والابتلاء أما لو خلقها بهذه الوسائط فحينئذٍ يفتقر المكلف فِي إسنادها إلى القادر إلى نظر دقيق ، وفكر غامض فيستوجب الثواب ، ولهذا قيل: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب.
وثالثها: أنه ربما كان للملائكة ولأهل الاستبصار عبر فِي ذلك وأفكار صائبة.
السؤال الثالث: قوله: {وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء} يقتضي نزول المطر من السماء وليس الأمر كذلك فإن الأمطار إنما تتولد من أبخرة ترتفع من الأرض وتتصاعد إلى الطبقة الباردة من الهواء فتجتمع هناك بسبب البرد وتنزل بعد اجتماعها وذلك هو المطر.
والجواب من وجوه: أحدها: أن السماء إنما سميت سماء لسموها فكل ما سماك فهو سماء فإذا نزل من السحاب فقد نزل من السماء وثانيها: أن المحرك لإثارة تلك الأجزاء الرطبة من عمق الأرض الأجزاء الرطبة {أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء} وثالثها: أن قول الله هو الصدق وقد أخبر أنه تعالى ينزل المطر من السماء ، فإذا علمنا أنه مع ذلك ينزل من السحاب فيجب أن يقال ينزل من السماء إلى السحاب ، ومن السحاب إلى الأرض.