فصل
قال الفخر:
اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر ههنا أنه جعل الأرض فراشاً، ونظيره قوله: {أَم مَّنْ جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً} [النمل: 61] وقوله: {الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مهادا} [الزخرف: 10] واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور: الشرط الأول: كونها ساكنة، وذلك لأنها لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالإستقامة أو بالاستدارة، فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشاً لنا على الإطلاق لأن من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض لأن الأرض هاوية، وذلك الإنسان هاوٍ، والأرض أثقل من الإنسان، والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والأَبطأ لا يلحق الأسرع فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشاً، أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها؛ لأن حركة الأرض مثلاً إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب ولا شك أن حركة الأرض أسرع فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد، فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة فهي ساكنة، ثم اختلفوا فِي سبب ذلك السكون على وجوه: أحدها: أن الأرض لا نهاية لها من جانب السفل، وإذا كان كذلك لم يكن لها مهبط فلا تنزل وهذا فاسد لما ثبت بالدليل تناهي الأجسام.
وثانيها: الذين سلموا تناهي الأجسام قالوا الأرض ليست بكرة بل هي كنصف كرة وحدبتها فوق وسطحها أسفل وذلك السطح موضوع على الماء والهواء، ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن يندغم على الماء والهواء مثل/ الرصاصة فإنها إذا انبسطت طفت على الماء، وإن جمعت رسبت وهذا باطل الوجهين: الأول: أن البحث عن سبب وقوف الماء والهواء كالبحث عن سبب وقوف الأرض.
والثاني: لم صار ذلك الجانب من الأرض منبسطاً حتى وقف على الماء وصار هذا الجانب متحدباً؟.