وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة، وسمى عذاب القبر ونعيمه أنه روضة أو حفرة نار باعتبار غالب الخلق، فالمصلوب والحرق والغرق وأكيل السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما، فقد ظن بعض الأوائل أنه إذا حرق جسده بالنار وصار رمادا وذرى بعضه في البحر وبعضه في البر في يوم شديد الريح أنه ينجو من ذلك فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك، فأمر اللّه البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: قم، فإذا هو قائم بين يدي اللّه، فسأله ما حملك على ما فعلت؟ فقال: خشيتك يا رب وأنت أعلم، فما تلافاه أن رحمه، فلم يفت عذاب البرزخ ونعيمه لهذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال حتى لو عاق الميت على رءوس الأشجار في مهاب الرياح لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه ونصيبه، ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه ونصيبه وحظه، فيجعل اللّه النار على هذا بردا وسلاما، والهواء على ذلك نارا أو سموما، فعناصر العالم وموارده منقادة لربها وفاطرها وخالقها، يصرفها كيف يشاء، ولا يستعصي عليه منها شيء أراده بل هي طوع مشيئته مذللة منقادة لقدرته، ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين وكفر به وأنكر ربوبيته. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...