حتى كأنه قال: بَعُدَ ما توعدون ؛ لأنه لم تؤلف زيادة اللام في نحو هذا ، وإنما زيدت في الموضع الذي الغرض بزيادتها فيه تمكين معنى الإضافة ، كقوله:
يا بُؤْس للحربِ التي وَضَعَتْ أراهِطَ فاستراحُوا1
وكقوله:
يا بؤسَ للجهْلِ ضرًّارًا لأقْوَام2
وإذا لم يكن لها بد من الفاعل ولم يكن الظاهر بعدها فاعلا لها ففيها ضمير فاعل لا محالة ، وهو ما قدمنا ذكره3. ومما نون وهو مبني على الضم قوله:
سَلامُ اللهِ يا مَطَرٌ عَلَيْها وَلَيْسَ عَليْكَ يا مَطَرُ السلامُ4
ومنه قولهم في الضجر: أفٌّ فيمن ضم ونون ، ويؤنسك باستعمالهم من هذا اللفظ اسما معربا قول رؤبة:
هَيْهَاتَ من مُنْخَرِقٍ هَيَْهاؤه5
فكأنه قال: بَعُدَ بُعْدُهُ ، وهو كقولهم: جُنَّ جُنُونُه ، وضَلَّ ضَلالُه ، وقولهم: موتٌ مائتٌ ، وشعرٌ شاعرٌ على طريقة المبالغة. وهيهاؤه إذًا فِعْلالُه ، كزِلْزَاله وقِلْقَالِه ، والهمزةُ فيه منقلبةٌ عن ياء ، لأنه من باب6 حَاحَيْتُ وعاعَيْتُ. وقريب من لفظه ومعناه ما أنشدَناه أبو علي من قولِ بعضهم:
فَأَرْفَعُ الجفنَةَ بِالْهَيهِ الرثِعْ7
1 لسعد بن مالك بن ضبيعة ، جد طرفة بن العبد ، من قصيدة في هجاء حنيفة وعجل ويشكر من بكر ، لتخليهم عن حرب بكر وتغلب انظر ذيل الأمالي: 28 ، والخصائص: 3: 106.
2 المحتسب: 1: 251.
3 قبلها: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} ، فضمير الفاعل"هو"يعود على إخراجكم. وانظر البحر: 6: 405.
4 للأحوص الأنصاري. ويروى من خبر الشاهد أن الأحوص كان يهوى أخت امرأته ، ويكتم ذلك ، وينسب فيها ولا يفصح ، فتزوجها مطر ، فغلبه الأمر ، وقال الشعر الذي منه هذا البيت. وانظر أمالي الزجاجي: 81 ، والكتاب: 1: 313 والخزانة: 1: 294.
5 للعجاج ، ويروى"من"مكان"في". وانظر الديوان: 4 ، والخصائص: 3: 43.
6 باب ساقطة في ك.
7 قبله:
قد أخصم الخصم وآتي بالربع
وأخصم الخصم: أغلبه في الخصومة. والربع: بضم الباء ، يريد به ربع الغنيمة. وروي بفتحها ، وهو: الفصيل ينتج في الربيع وهو أول النتاج ؛ وجمعه رباع. ومعنى آتي به: أقتاده وأسوقه. والرتع: الدنيء الشره الحريص. يريد أنه يدنيه ويطعمه على دنس ثيابه دناءته. وذكر ابن الأعرابي له تفسيرا آخر وانظر اللسان"رثع"وهيه"."