وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) قوله: (لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) في الظاهر نهي، وكذلك قوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) : وأمثاله، يخرج في الظاهر مخرج النهي، وقوله: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) ونحوه يخرج مخرج الأمر أوالأمر، والنهي إذا كان من العبد للسيد فهو تعوذ ودعاء، وإذا كان من السيد للعبد فهو أمر ونهي، ليس بتعوذ ولا دعاء، ولكن حقيقة الأمر والنهي، وكذلك سؤال الأمير لرعيته أمر ونهي، وسؤال الرعيّة للأمير تضرّع وتعوذ ودعاء.
ثم قوله: (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) في الطاعة والعبادة والذكر والتسبيح والتحميد ما دمت حيًّا، ولكن أشرك لي في العبادة والذكر من يعينني على ذلك، وهو كقول موسى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي(29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) ، وقوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، إذا مت.
أو أن يكون قوله: (لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) بعد مماتي في قبري، ولكن هب لي من يذكرني ويدعو لي بعد وفاتي ويحيي أمري.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) أي: وأنت خير من يرث العبادة، على هذا التأويل، وعلى التأويل الأول: وأنت خير من يعين على العبادة والطاعة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ...(90) أي: دعاءه (وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى) قال الحسن: إن كان يَحْيَى على ما سماه اللَّه في الطاعة والعبادة، وفي الآخرة يحيى في الكرامات والثواب الجزيل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) يخرج على وجهين: